المقاومة اللبنانية والوضع الشائك حيرة وإحراج المناصرين

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on telegram
Share on twitter


أحلام بيضون

الدفاع عن الوطن مهمة مقدّسة، وهي ملقاة على عاتق المقاومة اللبنانية بالدرجة الأولى منذ زمن؛ وبالوقت ذاته، الإصلاح السياسي هو ضرورة وطنية ملحّة، ولا يمكن الاستخفاف به، وبين هذا وذاك، يقف المواطن اللبناين غير الطائفي، وغير المتزلّف حائرا.
1-المقاومة ضرورة وطنية
المقاومة في لبنان ليست أمرا عابرا، ليس لأنها انتصرت وحررت، بل لأنّ الدولة اللبنانية لم تظهر يوما قدرتها ولا قابليتها للدفاع عن الوطن. جيشها لم يزوّد بالأسلحة اللازمة، ليس للدفاع عن الوطن فحسب، بل حتى للدفاع عن نفسه. باستتتباعها للغرب، الحكومات اللبنانية لم تجرء يوما، أو لم ترد أن تحصل على الأسلحة الضرورية لمهمة الدفاع، من جهات غير الجهات الغربية، حيث هذه الأخيرة، لا تقبل أن تزودها، ولا تسمح لها أن تتزوّد من جهات ثالثة، بأسلحة تعتبرها مهددة للكيان الصهيوني. وعلى افترض تمكّنت الدولة اللبنانية من الحصول على أسلحة مناسبة، فإن قرار الردّ أو التصدي لعدوان إسرائيلي ليس بالأمر السهل، فالمسألة ستأخذ وقتا بين أخذ وردّ، ونقاشات طائفية تافهة، أو ذرائع تتعلّق بالتخوف من الإدارة الأميركية. وهكذا، فإنّ العدو سيأخذ الوقت الكافي لينفّذ عدوانه، ويرتكب الجرائم ضد الأرض والشعب. والوقائع التي حصلت ليس منذ السبعينات، بل حتى منذ قيام الدولة الصهيونية على الأرض الفلسطينية، عام 1948، أكبر شاهد على ذلك، حيث بدأ العدو بالضم التدريجي لقرى ومزارع في جنوب لبنان، في ظل صمت تام للدولة اللبنانية، والاكتفاء من وقت لآخر بإرسال شكاوى لمجلس الأمن، لا تلقى منه أي استجابة مفيدة.
رغم ما تقدم عن الواقع اللبناني فيما يتعلّق بمهمة الدفاع، فإنّ جهات لبنانية تستشرس في المطالبة بنزع سلاح المقاومة تحت شعار “السلاح الغير شرعي”، طالبة حصر استعمال السلاح بيد الجيش، وحده بالنسبة لها مخول بالدفاع عن الوطن، ووحدها الدولة اللبناني هي صاحبة الصلاحية في اتخاذ قرار الحرب والسلم. لتهدئة خاطرها دون تعريض الوطن للخطر من جديد، تمّ الكلام عن ضرورة تبني استراتيجية دفاعية، تأخذ بعين الاعتبار المخاوف السابقة، فيما يتعلّق بالقرار السياسي ومسألة التسلّح. ولكن حتى الآن لم يحصل أي تقدم، لأن ذلك كما أي قرار سياسي في لبنان، يجب أن تقرر بشأنه الإدارة الأميركية في الخارج، وأيضا قوى أساسية في الإقليم.
يتمسّك أهل الجنوب خصوصا، بالمقاومة، لأنهم هم من دفع ثمنا باهضا بسبب العدوان الصهيوني المتمادي والمستمر، وبسبب عجز الدولة اللبنانية عن القيام بمهمة الدفاع عن المواطنين والأرض. في المقابل ولأسباب طائفية وسياسية، تواجه المقاومة عداوة من قبل أطراف داخلية، وإقليمية وخارجية: فالأطراف الداخلية، أسبابها طائفية مصلحية خاصّة، فلا تريد أن ترى طرفا آخر في الوطن يتمييز بامتلاك عامل قوة عليها، رغم أن قادة المقاومة يكررون أن السلاح يحتفظ به لمجابهة العدوان الخارجي، تحديدا الإسرائيلي، وأنه ليس هناك خوف من استعماله في الداخل. تستخدم الأطراف الرافضة لهذا السلاح، واقعة 7 أيار 2008، حيث تمّ تحييد مواقع اعتبرت متآمرة على سلاح المقاومة، بقيامها بكشف شبكة اتصالاته. طبعا المقاومة اعتبرت ذلك دفاعا عن النفس، ضد تآمر واضح عليها مع العدو. ولكي نكون منصفين، فإن المقاتومة لا تنفك تتعرض لاستفزازات واعتداءات من أطراف داخلية، ويذهب نتيجة لذلك قتلى وجرحى في صفوفها، أو أو صفوف مناصريها، ولكنها تبتلع الغيض موكلة الأمور إلى القضاء.
أما أقليميا، فإن الوضع القائم في الخليج، والذي تتنافس فيه بعض دول الخليج، خاصة السعودية وإيران، ينعكس على الداخل اللبناني، وعلى المقاومة تحديدا، حيث تتخذ القيادة السعودية موقفا معاديا لحزب الله ومقاومته، معتبرة إياه منّفذا لسياسة “العدو” الإيراني، تتبعها في ذلك بعض الدول التي تدور في فلكها. أما على صعيد الخارج، فإلى جانب إسرائيل، من يقف ضد سلاح حزب الله هو بالدرجة الأولى الحكومة الأميركية، من جهة لأنه يهدد حليفتها إسرائيل، ومن جهة لأنه يقوي موقف إيران.
تشكل المقاومة اللبنانية اليوم، ليس فقط درعا يحمي لبنان، خاصة جنوبه، بل أيضا مركزا قياديا متميزا في محور إقليمي، مجابه لأطماع إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، ويضم بالإضافة إلى المقاومة اللبنانية، أنصار الله في اليمن، الحشد الشعبي في العراق، الحرس الثوري في إيران، والجيش السوري.
2- الإصلاح ضرورة وطنية
حزب الله يعتبر الذراع السياسي للمقاومة، ومبدئيا هو معني بالمسائل الداخلية وهموم الناس. ولكي نكون موضوعيين، وبغض النظر عن موقفنا الداعم بقوّة للمقاومة واستمرارها، ما دام لم يتم التوصّل إلى خطة دفاع بديلة، فإن حزب الله كبقية الأحزاب اللبنانية، قد دخل اللعبة السياسية في لبنان، وأيضا لعبة المحاور الإقليمية والخارجية، وبما أن الأطرف في لبنان معتادة على الاستقواء بالخارج منذ قيام لبنان-الطوائف، فإن حزب الله اعتبر نفسه بالإضافة إلى حركة أمل حليفه اللدود، ممثلا شرعيا للطائفة الشيعية، يقرر باسمها. لقد اعتبر كالقوى الباقية أن للطائفة الشيعية حصّتها المشروعة في كل صغيرة أو كبيرة، سواء تعلّق الأمر بقرار إداري أو مشروع أو وظائف، أو تعينات، أو قرار سياسي، خاصة إذا كان متعلقا بموقف خارجي. لقد نظّم الأمور والمصالح والمهام بدقّة مع حركة أمل، بشكل يجنبه أي صدام معها. وبما أن له شرف حماية المقاومة، فإنّ رأي أي شيعي آخر حتى لو كان مناصرا للمقاومة، ليس مهما. وكل ما يصدر عن الحزب من قرارات، هو قمة الحكمة والصواب. لقد بدأت النقاشات تطرح المسائل الوطنية مباشرة بعد انتصار عام 2000، وخروج الجنود الصهاينة ومعهم عملاؤهم من جنوب لبنان.
الشعب اللبناني، لم يكن وجعه بسبب الاحتلال فقط، ولا بسبب الحروب، بل بسبب نظام سياسي بائد، وزعماء يختبؤون وراء ستار طائفي كي يستمرون في السلطة، ويستمرون في تقاسم موارد البلاد، واستغلال مسودّات المشاريع، كي يثروا على حساب إفقار المواطنين، مقيمين ومغتربين. ابتداء من العام 1990، لم يضيع من تولى السلطة في لبنان الوقت في سبيل الحصول على أكبر قدر من المكاسب، من خلال الأموال التي تدفقت على لبنان بهدف إعادة الإعمار بعد الحرب. إصلاحيا، لقد تمّ إهمال اتفاق الطائف كليّا، فلم يوضع قانون انتخاب غير طائفي، يعتبر لبنان دائرة واحدة، ما يساعد في خدمة الهدف. ولم يقلع رجال السلطة عن المطالبة بحصص لطوائفهم في وظائف الدولة، ولو على حساب الخبرة والاختصاص والنزاهة. ومع ذلك سكت الأستاذ نبيه بري، رغم نباهته، وصمت حزب الله رغم قوته، واستمرّت الأطراف على اختلاف انتماءاتها الطائفية تنهش في موارد البلد ومقوماته، وفي الوقت ذاته في لحم المواطنين الحي.
لقد رفع الحزب شعار محاربة الفساد، وتمّ التلويح بالملفات، غير أن ذلك بقي حبرا على ورق. كذلك الأمر، فلقد طالب الرئيس بري بتأليف لجنة لإلغاء النظام الطائفي، لكنه لم يلبث أن أودع مطلبه في الأمانات.
وقامت قيامة الناس، فيما سمي انتفاضة 17 تشرين 2019، بعد طول صمت، خوفا من أن تنزلق الأمور من جديد إلى صراع طائفي، وكانت مطالبهم واضحة، لكن لسوء الحظ، لم تتم مناصرة المحتجين المتألمين، بل أنه تمّت محاربتهم، باتهامات مختلفة، أخطرها أنهم صنيعة السفارات، التي تقوم بتمويلهم وتحريضهم. سنفترض أن بعض من تظاهر هم فعلا صنيعة السفارات، لكن الواقع اللبناني السيئ واضح المعالم، ويبين أن من في الشارع يحمل مطالب محقّة، لا يجب إهمالها، بل يجب معالجتها فورا. لقد فوّت حزب الله على نفسه فرصة مناصرة المواطنين في مطالبهم، وهي مطالب حياتية وإصلاحية، ضرورية لإقامة وطن حقيقي. وقد كتبنا في وقتها، بأنه من مصلحة المواطنين ولبنان والحزب، بأن تتمّ مساندة المطالبين بالإصلاح، ووصلت إلى الجهات المعنيّة، ولكن لم يكن لها صدى. لقد فسح التقاعس عن مناصرة المحتجين، المجال أمام قوى معروفة بمطالبها الطائفية، وبتصدّيها لمطالب الإصلاح السياسي، مواقف أدّت إلى اندلاع الحرب الأهلية في السبعينات، كي تركب موجة الثورة، وترفع شعار التغيير، بينما شعارها الأول والحقيقي، والذي لم تعد تخشى المجاهرة به هو نزع سلاح المقاومة الذي تنعته بغير الشرعي، مدّعية أن حزب الله جعل لبنان تحت السيطرة الإيرانية.
لم تلبث أن وقعت كارثة المرفأ، وفُتحت قضية التحقيق بشأنها، وبدل أن يترك القضاء يأخذ مجراه في استقلالية تامّة، بدأ التدخّل في شأنه علنا، وتمّ اتهام قضاة التحقيق بتبني قرارات مسيّسة، والخضوع للخارج. لقد كتبنا في حينه، أنه يجب ترك القضاء يقوم بعمله باستقلالية، وبدل عرقلة مهمته، المبادرة إلى تسهيلها، وأنّ مطالبة القاضي بإعلان ما توصّل إليه خطأ، لأن التحقيق يجب أن يبقى سرّيا، لخدمة القضية. ولكنّ رأينا كمختصين لم يؤخذ بعين الاعتبار. لقد أدت المواقف الخاطئة إلى ما سمّي واقعة عين الرمّانة، والتي ذهب ضحيتها عدد من الضحايا. ومرة جديدة، تمّ استغلال المظاهرة، التي لم يكن من لزوم لها، رغم الضحايا الذين ذهبوا غدرا، من قبل أحزاب، لها تاريخ حافل بالجرائم.
وهكذا، تستمر المواقف الخطأ، رغم النوايا الصادقة، وصولا إلى الانتخابات، التي ينتظرها اللبنانيون، ويعولونا عليها رجاء أن يتم إصلاح ما أفسده البغاة، ولكنّ النتيجة كانت تحالف جديد بين أطراف السلطة، حتى أنه تمّ ترشيح نفس الوجوه القديمة التي إن لم تتهم بالفساد، فقد أثبتت فشلها، وسوء إدارتها، وقد ذهب العناد ببعض القادة لترشيح نواب ووزراء سابقين، متهمين بالفساد. عند هذه النقطة يجب أن نتوقف لنقول، أنّ في ذلك قمّة الإحراج لمناصري المقاومة، فإذا كنّا نتمسّك بها وبما قدّمته للوطن، فإنه ليس بالإمكان من جهة ثانية خيانة آمال الناس، وخيانة قيامة الوطن من بين الأنقاض، وذلك بمحاسبة الفاسدين، وإقرار نظام غير طائفي، قائم على اعتبارات إنسانية، لخدمة جميع أبنائه على قدم المساواة، دون أي اعتبارات أخرى بما فيها الطائفية.
أحلام بيضون/ بيروت/10/5/2022

إقرأ أيضا

أقسام الموقع

إقرأ أيضا

اليمن بحاجة لدعم يا عرب ….

منذقرابة الثمانيِ سنوات تقريبا أي بدأنا بل العام الثامن لهذا العدوان لم يُبقي هذا العدوان لا حجر ولا مدر ولا حتى الشجر ولا حتى

شروط تمديد الهدنة…

✒️حميد عبد القادر عنتر اذا كان هناك تمديد الهدنة مع تحالف العدوان نحن مع التمديد لكن يكون هناك ضمانات دولية بما يكفل فك الحصار

شروط تمديد الهدنة…

✒️حميد عبد القادر عنتر اذا كان هناك تمديد الهدنة مع تحالف العدوان نحن مع التمديد لكن يكون هناك ضمانات دولية بما يكفل فك الحصار

الهندسة الاجتماعية والجيل

الجديد من الذباب الالكتروني أنس حسن بعد سنوات من الربيع العربي، وسنوات أخرى من الثورات المضادة، وأزمات الخليج وغيرها، تحول نشاط “الذباب الالكتروني” من

انتقل إلى أعلى