لحظة الصفر … اتفاق السلام
✳️

د. ليون سيوفي ـ باحث وكاتب سياسي
قبل ساعات من الحديث عن توقيع اتفاق سلام أو تفاهم تاريخي بين الولايات المتحدة وإيران، خرج مستشار المرشد الإيراني معلناً أن “لحظة الصفر قد حانت” وأن منصات إطلاق الصواريخ يجري تجهيزها.
للوهلة الأولى يبدو المشهد متناقضاً. فكيف يمكن لدولة تستعد لمرحلة سياسية جديدة أن تتحدث بلغة الصواريخ؟ وكيف يمكن لدولة يقال إنها انتهت عسكرياً أن تواصل مخاطبة خصومها بلغة الردع؟
لكن السياسة، بخلاف ما يبدو على الشاشات، لا تُدار بالصور المباشرة ولا بالشعارات الحادة. فالتصريحات المتشددة لا تعكس دائماً اتجاهاً نحو التصعيد، بل قد تكون جزءاً من إدارة التوازنات النفسية والاستراتيجية في لحظات التحول الكبرى.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري النظر إلى ما وراء التصريحات المتبادلة لفهم طبيعة اللحظة السياسية الراهنة.
في التاريخ السياسي، لا تُقاس مكانة الدول فقط بما تملكه من قوة عسكرية، بل أيضاً بقدرتها على فرض نفسها كعامل لا يمكن تجاهله في الحسابات الإقليمية والدولية. فالدول التي تفقد تأثيرها تصبح موضوعاً للقرارات، أما الدول التي تحتفظ بأدوات التأثير فتظل جزءاً من صناعة تلك القرارات.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه:
إذا كانت إيران قد انتهت، فلماذا لا يزال حضورها يشكل عنصراً أساسياً في معادلات المنطقة؟
إن مجرد استمرار التعامل معها باعتبارها طرفاً مؤثراً يعكس حقيقة أن موازين القوى أكثر تعقيداً من السرديات التي تُقدَّم للرأي العام. وقد يختلف المراقبون حول حجم المكاسب التي حققتها كل جهة، لكن من الصعب تجاهل أن النفوذ السياسي لا يُقاس فقط بنتائج المواجهات المباشرة، بل أيضاً بالقدرة على البقاء لاعباً فاعلاً في المشهد.
وفي هذا السياق تحديداً، تبرز مفارقة لافتة في الخطاب الأميركي نفسه.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتردد مراراً في الحديث عن تراجع القدرات الإيرانية وعن نجاح الضغوط والعقوبات والعمليات العسكرية في إضعاف طهران. لكن استمرار التركيز الأميركي على الملف الإيراني يكشف أن واشنطن ما زالت تنظر إلى إيران باعتبارها عاملاً مؤثراً لا يمكن شطبه من المعادلة بسهولة.
من هنا، تبدو تصريحات “لحظة الصفر” وكأنها رسالة مزدوجة؛ رسالة إلى الخارج بأن أوراق القوة لم تُطوَ بعد، ورسالة إلى الداخل بأن الضغوط التي تعرضت لها الدولة لم تُفقدها قدرتها على التأثير. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى تقديم سياساتها باعتبارها سبباً رئيسياً في إعادة تشكيل سلوك خصومها.
وبين الروايتين، تبقى الحقيقة السياسية أكثر هدوءاً وأكثر عمقاً من ضجيج التصريحات:
الصراعات الطويلة لا تنتهي عادة بحسم مطلق لأحد الأطراف، بل بإعادة تعريف المصالح والحدود الممكنة للقوة والنفوذ.
فالتحولات الكبرى تنشأ عندما تدرك الأطراف المتنافسة حدود قدرتها على فرض إرادتها بالكامل، وعندما يصبح الحفاظ على المكاسب أكثر أهمية من السعي إلى انتصارات رمزية إضافية.
لذلك، قد لا تكون “لحظة الصفر” هي لحظة إطلاق الصواريخ كما يتخيل البعض، بل لحظة سقوط الأوهام التي رافقت سنوات الصراع؛ وهم الحسم الكامل، ووهم الإلغاء الكامل، ووهم أن طرفاً واحداً يستطيع كتابة النهاية وحده.
وعندما تتضح ملامح المرحلة الجديدة، يتكشف المشهد على حقيقته: لم ينتصر أحد بالقدر الذي يدّعيه، ولم يُهزم أحد بالقدر الذي يُروَّج له. لقد وصلت الأطراف المختلفة إلى حدود ما تستطيع القوة وحدها تحقيقه.
وهنا تكمن دلالة اللحظة الحقيقية.
فجوهر المشهد ليس في عدد الصواريخ الجاهزة ولا في حجم الخطابات المتبادلة، بل في إدراك جميع الأطراف أن استمرار الصراع لم يعد قادراً على إنتاج نتائج مختلفة. ومن هنا تصبح “لحظة الصفر” نقطة انتقال من اختبار القوة إلى إعادة ترتيب المصالح، ومن منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التفاهمات الممكنة.
لهذا، فإن الاستنتاج الأوضح هو أن “لحظة الصفر” لا تمثل بداية حرب جديدة، بل بداية الاعتراف بحدود الحرب نفسها. وعندما تصل القوى المتنافسة إلى هذه القناعة، يصبح السلام ــ أو ما يشبهه ــ نتيجة سياسية طبيعية، لا تنازلاً من طرف وانتصاراً مطلقاً لطرف آخر.
ولعل المفارقة الأبرز أن «لحظة الصفر» لم تكن لإيران كما توقع البعض، بل لتحليلات الذين راهنوا على سقوطها النهائي.