أخبار محلية

أطول معاملة في الكرة الأرضية

أطول معاملة في الكرة الأرضية!اليوم أريد التحدث لكم حكاية قد تكون، من باب الطرافة والمرارة في آنٍ واحد، من أطول المعاملات الإدارية عمرًا على سطح الكرة الأرضية.حكاية بدأت منذ أكثر من تسعة عشر عامًا، ولم تصل إلى خواتيمها إلا بعد أن كادت تدخل موسوعة الأرقام القياسية.الموضوع ليس معاملة عادية، ولا طلبًا للحصول على امتياز، ولا منّةً من أحد. إنّها ببساطة معاملة ضمّ خدمات عن سنوات عمل أمضيتها في وزارة الإعلام، بلغت ثلاثة عشر عامًا وثلاثة أشهر، من 1/10/1991 إلى 31/12/2004، وهي سنوات خدمة فعلية قضيتها في العمل وخدمة الدولة.في 30/5/2005، تقدّمت بطلب ضمّ هذه الخدمات، وسُجّل الطلب تحت الرقم 537 في أمانة سر الوكالة الوطنية للإعلام.ومنذ ذلك التاريخ بدأت الرحلة الطويلة.رحلة لو كانت سيارة لقطعت آلاف الكيلومترات، ولو كانت طائرة لكانت دارت حول الأرض مرات، ولو كانت معاملة إدارية لكانت، كما يبدو، تحتاج إلى عمرٍ كامل حتى تصل إلى نهايتها!طوال سنوات، كان الجواب الذي أسمعه يتكرر بصيغ مختلفة: هناك إشكالية في ضمّ الخدمات بين السلك الإداري والسلك التربوي.كنت أقول: أين المشكلة؟هل يطلب الموظف حقًا غير موجود؟هل يطلب احتساب سنوات لم يعملها؟هل يطلب إضافة درجات بلا أساس؟أم أن سنوات العمل السابقة تصبح فجأة بلا قيمة عندما ينتقل الإنسان من وظيفة إلى أخرى داخل الدولة؟كنت أبحث، وأراجع، وأسأل، وأعود إلى النصوص القانونية، إلى أن عثرت على ما اعتبرته جوابًا واضحًا في القانون رقم 435 الصادر بتاريخ 15/5/1995، وهو القانون الذي، بحسب الوثيقة التي أملكها، يؤكد حقّي في ضمّ هذه الخدمات.وهنا تصبح الحكاية أكثر غرابة.إذا كان القانون موجودًا، والطلب موجودًا، ورقم المعاملة موجودًا، والسنوات التي عملتها موجودة، والوثائق موجودة، فلماذا احتاج الأمر إلى كل هذه السنوات؟لماذا كان عليّ أن أنتظر من عام 2005 حتى عام 2024 حتى أعرف مصير طلبٍ قدّمته منذ ما يقارب عشرين سنة؟وبعد كل هذا الانتظار، جاء الفرج أخيرًا!في 16 تشرين الثاني 2024 صدر قرار ضمّ الخدمات تحت الرقم 9835.والنتيجة؟تبيّن أن لي أربع درجات مستحقة.فرحت طبعًا لأن الحق ظهر أخيرًا، لكن فرحتي لم تكن كاملة.لأن سؤالًا آخر، أكثر مرارة، قفز مباشرة إلى ذهني:ماذا عن السنوات التي ضاعت؟إذا كنت أستحق أربع درجات نتيجة سنوات خدمتي السابقة، وكان من المفترض أن تُحتسب هذه الدرجات منذ تقديم الطلب في عام 2005، فلماذا لم أحصل عليها إلا في بداية عام 2025؟ماذا عن الفارق المالي الذي كان يمكن أن يترتب على هذه الدرجات طوال تلك السنوات؟ومن يعوّضني عن ذلك؟هل يكفي أن تقول الإدارة اليوم: “لقد أنجزنا المعاملة، وتفضل، هذه درجاتك”؟ماذا عن عشرين عامًا تقريبًا من الانتظار؟أنا لا أريد أن أتهم أحدًا، ولا أريد أن أظلم موظفًا قد يكون هو نفسه ضحية لنظام إداري معقّد. لكنني أسأل سؤالًا بسيطًا، وربما مشروعًا:من يتحمّل مسؤولية التأخير عندما يكون الحق ثابتًا بالوثائق والقانون؟لقد حصلت في النهاية على الدرجات الأربع، وهذا أمر إيجابي، لكن حصولي عليها بعد سنوات طويلة لا يلغي السؤال عن الحقوق المالية التي كان يمكن أن تترتب عليها لو أُنجزت المعاملة في وقتها.ولذلك أقولها اليوم بنصف ابتسامة ونصف وجع:ربما أستحق أن أدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية لا لأنني أنجزت معاملة بسرعة، بل لأنني استطعت أن أبقى حيًّا وأتابع معاملة إدارية واحدة طوال ما يقارب عشرين سنة!تخيّلوا معي:قدّمت الطلب في 2005.مرّت حكومات، وتغيّرت إدارات، وتعاقب مسؤولون، وتبدّلت قوانين وأنظمة، وتغيّرت البلاد، وكبر الإنسان عشرين عامًا تقريبًا، ومع ذلك بقيت المعاملة تسافر بين الأدراج والمكاتب والملفات!وفي النهاية، وبعد كل هذا العمر، خرجت المعاملة من غياهب الإدارة وقالت لي:مبروك، لك أربع درجات!فقلت لها:شكرًا…لكن اسمحي لي أن أسألكِ سؤالًا صغيرًا:أين كانتِ منذ عام 2005؟أنا لا أروي هذه القصة لمجرد الشكوى الشخصية، بل لأن وراء كل معاملة متأخرة إنسانًا قد تتأثر حياته وحقوقه ودخله ومستقبله.المعاملة ليست ورقة.وراء الورقة موظف، وعائلة، وعمر، وحقوق، وأحيانًا سنوات من الانتظار.ولهذا فإنني أنشر هذه القصة، ومعها الوثائق التي تثبت كل ما أقول، لا بحثًا عن خصومة مع أحد، بل بحثًا عن إجابة لسؤال واضح:إذا ثبت أن للموظف حقًا، فمن يعوّضه عن الضرر المالي الذي لحق به بسبب التأخير في إعطائه هذا الحق؟أما الجائزة التي أطالب بها، فهي طبعًا رمزية:جائزة أطول معاملة إدارية في الكرة الأرضية!والمرشح هذه المرة ليس ملفًا مجهولًا…بل ملفي أنا.د. طوني كرم مطر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى