أخبار محلية

إسرائيل ” إلى متى ؟

تقرير وحوار خديجة البزال.

كان لنا لقاء مع الدكتور عبد الناصر سكرية في بلدة الزيتون قضاء بعلبك

قدم دراسة تحت عنوان ” إسرائيل ” إلى متى ؟

– 1 – كانت الغالبية الساحقة من يهود العالم قد إنصهرت في مجتمعاتها القومية منذ أواسط القرن التاسع عشر..وكان اليهود العرب يعيشون كمواطنين في البلاد العربية دون أية مشاكل .

يمارسون حياتهم كغيرهم من المسيحيين والمسلمين العرب .إلى أن قامت المنظمة الصهيونية العالمية على أيدي الرأسمالية العالمية وفي قلبها الرأسمالية اليهودية – الصهيونية..وبدأت في تحريض يهود العالم للإنضمام إلى العقيدة الصهيونية ومشروعها الإستعماري ..فلقيت معارضة شديدة من معظم اليهود إستمرت ما يقرب من ربع قرن..فيما بعد إستطاعت المنظمة الصهيونية من فرض رؤيتها وعقيدتها ومشروعها الإستعماري على أغلب اليهود بفعل ما تملك من إمكانيات مالية ضخمة ووسائل ضغط وإبتزاز وبفعل أساليب إرهابية كثيرة إستخدمتها ضد اليهود الرافضين لها ..وكان من بينها تفجيرات وإغتيالات وضغوط كبيرة لإجبار المتمنعين على الرضوخ والإنصياع للمشروع الصهيوني..وبإنتهاء الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا قد إحتلت فلسطين وبدأ تنفيذ وعد بلفور بإغتصاب فلسطين تدريجيا..كانت خلاصة المشروع الصهيوني تقوم على عدة ركائز أساسية :

 – 1 – أن اليهود يشكلون قومية دينية خاصة بهم ومقتصرة عليهم فقط وبالتالي يجب أن يتجمعوا في دولة واحدة..إختاروا فلسطين لتكون تلك الدولة بإدعاء وجود بني إسرائيل فيها قبل آلاف السنين.. 

-2 – أن اليهود – بني إسرائيل – هم شعب الله المختار وأن الله منحهم هذه الخاصية وإختصهم بها وسمح لهم بناء عليها بإستخدام كل الشعوب الأخرى لخدمة أهدافهم هم ؛ أكان بالتسخير أو الإستغلال أو الإستعمال أو حتى القتل..-3 – أن الله هو الذي وعدهم بإعطائهم أرض فلسطين كأرض الميعاد لتكون منطلقا لتأسيس مملكة بني صهيون أي ” أسرائيل الكبرى “..ولقد نجحت تلك الأفكار في إغراء الكثير من يهود العالم في الهجرة إلى فلسطين ؛ على خلفية إدعاءات دينية تدعمها مزاعم التلمود وهو الكتاب الديني المقدس عندهم ..وهو بالمناسبة غير التوراة التي نزلت على نبي الله موسى..والتلمود عبارة عن كتابات متنوعة جدا وفيها الكثير من الأفكار المتطرفة والعنصرية والمبتذلة أيضا..وهو نتاج كتابات حاخامات وشخصيات يهودية إمتدت سبعة قرون كاملة..اللافت أن الدافع الديني التلمودي لحث اليهود على ترك أوطانهم والهجرة إلى فلسطين لم يكن كافيا لوحده إلا جزئيا : على عدد من اليهود ولمدة زمنية محدودة..وعلى هذا الأساس لم يتجاوب معظم اليهود العرب مع التحريض الصهيوني فكان أن قام الصهاينة بتفجيرات متعددة في أحياء اليهود وكنائسهم في عدد من البلدان العربية لإرغامهم على مغادرتها والهجرة إلى فلسطين ..وهذا ما حصل..حتى أن وثائق كثيرة رسمية كشفت عن تعاون سري ما بين بين الحركة الصهيونية والنظام هتلر النازي وفيه شجع الصهاينة النازيين على إضطهاد اليهود وإرتكاب أعمال عدوانية ضدهم وهو ما حصل وصار يعرف بإسم الهولوكست الذي أجبر غالبية يهود ألمانيا على الهجرة إلى فلسطين..وقد إستغلت الصهيونية أحداث الهولوكست النازية لإطلاق ما سمي معاداة السامية التي أصبحت سوطا يقمع كل رأي حر وكل موقف يشير أو يرفض أو ينقد أية ممارسات أو مواقف لدولة ” إسرائيل “..طبعا بعد أن ضخموا أحداث الهولوكست وأبدعوا في توصيفها بشكل مبالغ جدا وبشكل مؤثر جدا أيضا..أم إستخدام الهولوكست فقد خدم الصهاينة لفترة أطول وأكثر إمتدادا : دوليا وزمنيا أيضا..فكان أن إستطاعوا بالتعاون التام مع الغرب الإستعماري كله في جعل الهولوكست مادة أساسية في العقل الصهيوني وحتى في العقل السياسي الغربي الرسمي أولا والشعبي

ثانيا..فشهدنا تعاطفا دوليا كبيرا مع الصهاينة تحت شعار ما تعرضوا له من إضطهاد نازي أولا وغربي عموما..ومع تطورات الأحداث والمواجهات العربية للمشروع الصهيوني ؛ بدأت تتراجع فعالية التضامن العالمي مع اليهود بحجة الهولوكست..حتى عند أعداد متزايدة من يهود العالم أنفسهم..ثم كانت المرحلة الأخيرة من خطاب الصهيونية التحريضي والتي تقوم على الإغراء بحياة مرفهة آمنة مطمئنة وآفاق مستقبلية مفتوحة في ظل نظام ديمقراطي لا تعرف المنطقة مثلا له..خلاصة القول أن خطاب التحريض الصهيوني لحث اليهود على الهجرة إلى فلسطين قد مر بثلاث مراحل مختلفة :

-الأولى : إستخدام الخلفية ” الدينية ” وإدعاءات التلمود وإعتبارها جوهر العقيدة الصهيونية ومشروعها السياسي الإستعماري..- الثانية : إستغلال الهولوكست لخلق الشعور بالإضطهاد والتخويف من البقاء خارج إطار ” الوطن القومي اليهود ” أي فلسطين المحتلة..- الثالثة : مرحلة الإغراء بالحياة المرفهة والمكاسب المادية كإمتلاك أرض خاصة وضمانات إجتماعية تامة وأمان دائم وديمقراطية لا مثيل لها وجيش لا يقهر …مع العلم أن الأسس الثلاثة بقيت ولا تزال متداخلة في الخطاب الصهيوني الموجه لليهود في العالم ..بينما تركز الخطاب الإغرائي النفعي في السنوات الأخيرة متغلبا على ألأسس الأخرى التي فقدت بريقها إلى حد كبير نتيجة الممارسات العسكرية والأمنية والسياسية لدولة الصهاينة والتي كشفت جوانب مهمة من كذب إدعاءاتها حتى لدى اليهود أنفسهم..ولما كان خطاب الإغراء المادي – النفعي هو الغالب المهيمن في العقود الأخيرة لحث اليهود على الهجرة إلى فلسطين ؛ فقد دلت الأحداث والوقائع والإحصاءات أنه قد فقد بريقه أيضا بشكل شبه تام..إن مراجعة موضوعية لواقع حال الخطاب الصهيوني في السنوات الأخيرة ؛ تبين أن الأسس الثلاثة الرئيسية التي إعتمدتها الصهيونية لجذب اليهود الى فلسطين قد فقدت جاذبيتها وتراجعت بل وإنكشفت إدعاءاتها الكاذبة للجمهور اليهودي عامة..وإذا كانت الإمكانيات الدعائية والإعلامية الهائلة للمشروع الصهيوني قد إستطاعت إخفاء دوافعه الإستعمارية وممارساته الإجرامية الوحشية وعنصريته البارزة المتمرسة في عنصريتها في تعامله مع شعب فلسطين ؛في المراحل الأولى ؛  إلا أنها إنفضحت وبانت للعالم أجمع حقيقتها الإجرامية..إن الممارسات الإجرامية الوحشية لدولة الصهاينة وتعاملها العدواني المجرم مع شعب فلسطين وصولا إلى حرب التدمير والإبادة الجماعية الشاملة ، مع ما رافقها من عدوان متعمد وحشي على المؤسسات الطبية والإعلامية والإغاثية وحرب التجويع الشاملة وكل ما يهتك القوانين الدولية ذاتها ؛ مرورا بكل أشكال الإضطهاد والتمييز بحق فلسطينيي الداخل وإسقاط كل حقوقهم كبشر وكمواطنين وصولا إلى جدار الفصل العنصري وموجات التهجير والإعتقال والتعذيب ؛ فتحت أذهان وعقول قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي الشعبي على خطورة المشروع الصهيوني على الحضارة الإنسانية وليس فقط على فلسطين وشعبها..ما نود التركيز عليه هنا ، هو ذلك الجانب المتعلق باليهود أنفسهم وما طرأ على حياتهم وفكرهم وقناعاتهم من تبدلات نتجت عن ممارسات دولتهم المزعومة ذاتها وما فيها من عدوانية وإجرام ووحشية ؛ وما صلة هذا  بقدرة تلك الدولة على البقاء والإستمرار..حاولت الدعاية الصهيونية إقناع اليهود أن فلسطين أرض بلا شعب..فإذا هم إزاء شعب عريق متجذر في أرضه متمسك بها يدافع عنها حتى آخر رمق في حياته..في سنة 1948 غادر عشرات آلاف الفلسطينيين قراهم وبيوتهم تحت تأثير وهول مجازر العصابات الصهيونية ؛ وتحت تأثير دعايات كبيرة جدا شاركت فيها بريطانيا والحكومات العربية أضافة للإعلام الصهيوني أوهمتهم أنها هجرة مؤقتة سوف يعودون إلى بيوتهم بمجرد إنتهاء الحرب..” كلها كم يوم ونرجع “..ولا يزالون يحتفظون  بمفاتيح دورهم وبيوتهم بآنتظار عودتهم الأكيدة..وفيما تلا ذلك من حروب وأحداث لم يغادر أحد منهم بعدما أدركوا كل ما مورس بحقهم من أكاذيب ووعود.. .. ” إسرائيل ” إلى متى ؟

– 2 -بعدما تبين لليهود هذا التمسك الفلسطيني العميق بأرضه وتجذره فيها ؛ بدأ وعي مغاير يتشكل في عقول نخب يهودية معظمها من الذين يعيشون في ظل دولة ” إسرائيل ” على أرض فلسطين المحتلة..نخب يهودية عايشت الواقع كما هو وعاينت الممارسات الوحشية للدولة الصهيونية..فكان أن ظهرت جماعة ” المؤرخون الجدد ” منذ أكثر من عقدين من الزمان..يتقدمهم المؤرخ إيلان بابيه أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية في جامعة أكسيتر البريطانية  ..وصلت به المراجعات أن أصدر كتبا عديدة يشرح فيها أكاذيب الصهيونية ويفضح بالوقائع ممارسات دولته العنصرية..حتى بلغ التشكيك وإنكار وجود شعب يهودي أصلا..وهو الذي ولد في فلسطين عام 1954 وكان صهيونيا ملتزما..وعديدون غيره تبرأوا من الصهيونية وأنكروا كل إدعاءاتها ومنهم من عاد وسحب إعترافه بدولة ” إسرائيل ” وذهب كثير منهم إلى إعتبارها خطرا على اليهود كبشر وعلى الدين اليهودي ذاته..أما خارج فلسطين فبرز نعوم تشومسكي في أميركا وقبله مكسيم رودنسون المستشرق الفرنسي وغيرهم كثير ممن رفضوا إدعاءات الصهيونية الدينية الكاذبة..نخب عايشت الواقع كما هو فأدركت خطورة المشروع الصهيوني فرفضته وتحاربه بالحقائق التاريخية والسياسية والجغرافية..ثم ظهرت نخب أخرى تحركت فيها مشاعر إنسانية تجاه الفلسطينيين بعدما عاينوا بأنفسهم إرتكابات دولتهم بحق شعب فلسطين..فراحوا يرفضون تلك الإرتكابات الفظيعة على أساس إنساني..وكان منهم من رفض تبرير تلك الفظائع على أساس ما تعرض له اليهود في ألمانيا النازية أي الهولوكست..حتى أن بعض أبناء وأحفاد من قضوا في محارق الهولوكست يتخذون موقفا جذريا رافضا لممارسات دولتهم بحق شعب فلسطين..ثمة قطاع واسع من اليهود الأوروبيين الذين يسمون الأشكناز وهم من بقايا مملكة الخزر التي كانت قائمة في القرن العاشر الميلادي في محاذاة روسيا  وإختارت لنفسها الديانة اليهودية بقرار سياسي من الدولة ذاتها..المهم أن المتحدرين من يهود تلك الدولة الأشكنازية هم الأكثر عنصرية والأكثر تطرفا وإجراما بحق فلسطين..وهم الذين يمثلون قيادة المشروع الصهيوني منذ تأسيس منظمته سنة 1897 في بال بسويسرا..هؤلاء هم الذين يمثلون الدوافع الإستعمارية العميقة للمشروع الصهيوني ويمارسون إستغلالا بارعا للعقيدة الدينية لتطويعها لخدمة مشروعهم الإستعماري..هؤلاء هم الأكثر إصرارا – معظمهم ولا سيما قياداتهم المنبثقة من صلب الرأسمالية الصهيونية ومعها الصهيونية الغربية – على البقاء في فلسطين والقتال الهمجي الإجرامي دون أي إعتبار لأية قيمة إنسانية أو قانونية أو شرعية ..هم هؤلاء الذين يتزعمون حرب الإبادة الشاملة والتدمير المنهجي في فلسطين..وهم أكثر اليهود قدرة على تجسيد مقولة شعب الله المختار التي تبرر لهم إبادة من سواهم من البشر لا بل إعتبارهم حيوانات تستحق القتل..إن الممارسات الإجرامية لهذه الفئة من اليهود الصهاينة هي التي دفعت كثيرا من اليهود الآخرين إلى تلك المراجعات التي أوصلتهم إلى إكتشاف المضمون العنصري الإستعماري اللا إنساني للعقيدة الصهيونية ومعها دولتها القائمة في فلسطين المحتلة..بقي ذلك القطاع الواسع من اليهود الذين أغرتهم الدعاية الصهيونية بالهجرة إلى فلسطين للتمتع بمستوى للمعيشة بمثابة جنة على الأرض..حيث الأمن والأمان وحيث الأرض المجانية والتسهيلات المالية والرعاية الإجتماعية التامة وإمكانية العيش بحرية تامة في دولة ديمقراطية مميزة ليس فيها ضرائب حتى..يشكل هؤلاء العدد الأكبر من سكان دولة الكيان ..وفي غالبيتهم يعيشون على أرض صادرتها دولتهم من أصحابها الأصليين بعد أن بنت لهم أحياء جميلة نظيفة مرفهة بإسم ” مستوطنات ” وهي في حقيقتها بؤر إستعمارية إحلالية بمعنى أنها تحل سكانا أغراب مكان السكان الأصليين وليس إلى جانبهم أو معهم..فهي لذلك تمثل درجة متقدمة من الإستعمار..ومنذ أن بدأ هؤلاء يشعرون بعدم الأمان مع تزايد الإنتفاضات الشعبية الفلسطينية وتصاعد أعمال المقاومة ضدهم ; وبعد أن دفعوا أثمانا بشرية كبيرة لم يكونوا على إستعداد لتقبلها ؛ ولما أن أصبحوا عرضة دائمة لأعمال إنتقامية ؛ ولما أصبحت صادراتهم الزراعية عرضة للمقاطعة في أنحاء كثير من العالم فتعرضوا لخسائر مادية وتجارية ؛ فقد بدات أعداد متزايدة منهم بمغادرة فلسطين المحتلة..فكانت ظاهرة ” الهجرة المعاكسة ” قد أصبحت غالبة فزادت أعداد المغادرين على أعداد الوافدين وهذا ما يحدث منذ ربع قرن تقريبا..فيما برزت هذه الظاهرة في الشهور الأخيرة بشكل ملحوظ جدا..فمنذ عملية طوفان الأقصى وما أحدثته من تصدعات في الجبهة الداخلية لدولة الكيان ؛ تزايدت أعداد المغادرين إلى غير رجعة ..ثم تسارعت وتيرة المغادرين مع الأحداث الأخيرة والعدوان الإسرائيلي على إيران ؛ و التي تشهد قصفا على الداخل ” الإسرائيلي ” مما يتسبب بدمار نفسي قبل أن يكون ماديا..إن غياب الأمان أولا ثم الخسائر البشرية الكبيرة ثانيا ؛ ثم عدم قدرة كل القوة العسكرية والمساعدة الغربية الكاملة على توفير الحد الأدنى من الإحساس بالأمان المطلوب للبقاء والإستقرار ؛ الأمر الذي يؤدي إلى تزايد أعداد المغادرين نهائيا..إن كل القوة العسكرية والتقنية والأمنية والعلمية المتقدمة جدا والتي يستخدمها العدو ، لم تستطع كسر إرادة شعب فلسطين ولم تستطع الوصول إلى الأسرى الموجودين في غزة..مما أدى إلى إنهيارات نفسية ومشكلات داخلية ليس أهمها فقدان الثقة بالحكومة والأجهزة الأمنية ؛ وليس أهمها المنازعات السياسية والقضائية بين المؤسسات الرسمية ؛ كما ليست الصراعات بين أجهزة الحكم وتحديدا بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأخرى ؛ بل أن الأهم من كل هذا فقدان الثقة بمستقبل الدولة كلها وبقدرتها على البقاء ..فضلا عن فقدان الثقة بمؤسساتها وتحديدا العسكرية لجهة ما ظهر فيها من عجز وتهرب وإمتناع عن الخدمة ورفض الإلتحاق بها وتحدي أوامر القيادة وسوى ذلك من أشكال التسيب والتمرد وحتى الفساد الإداري والسلوكي.. ” إسرائيل ” إلى متى ؟

– 3 -يضاف إلى كل ما سبق ، فإن ما أظهرته العمليات الحربية منذ السابع من أكتوبر 2023 ، من فساد سلوكي في المؤسسة العسكرية ومن إجرام شخصي وعام في سلوك المحاربين بتعمد قتل المدنيين حتى الأطفال , إضافة إلى ما أظهرته معاملة الأسرى بشكل أخلاقي إنساني نبيل من قبل المقاتلين الفلسطينيين ..على عكس الصورة المزروعة في عقول أفرادهم ..وكان ما كشفته وتحدثت عنه عدة أسيرات محررات عن تلك المعاملة الإنسانية النبيلة من جهة الفلسطينيين ؛ في مقابل الإستغلال الدنيء لهن وللمجندات الإسرائيليات جسديا وإرغامهن على تقديم خدمات غريزية دنيئة للظباط الصهاينة وإبتزازهن ؛ من جهة أخرى ؛ سببا في دفع الكثيرات منهن إلى ترك الخدمة ومغادرة فلسطين نهائيا وكسر حاجز الخوف الذي كان مفروضا عليهن..فوق هذا كله كانت تلك المعاملة الإنسانية النبيلة سببا في سقوط وهم التقدم الحضاري للمجتمع الصهيوني وعقيدته القتالية وإكتشاف الحقيقة المؤكدة لنبل المقاتل الفلسطيني وإنسانية شعبه حتى في تعامله مع أسرى عدوه.إن هذا الجانب الأخلاقي الإنساني يشكل قاعدة جوهرية في إعادة نظر الكثير من اليهود في مواقفهم وأفكارهم الصهيونية .ولسوف يتحول عدد لا بأس به منهم إلى مقاتلين ضد الصهيونية ومطالبين بالحرية لفلسطين وإنهاء الإحتلال كلية..وهذا ما يحصل بالفعل..أما الخلافات بين المؤسسات والحرب على القضاء ومحاولة تطويعه للمؤسسة السياسية فبينت مدى تهافت وهشاشة ما يسمى بالديمقراطية في دولة الكيان..وما الفساد الذي بات شائعا في أوساط رجال السلطة إلا دافعا إضافيا لكثيرين منهم لفقدان الثقة ليس بالسلطة بل بالدولة التي قامت على أكاذيب فضحتها الممارسات..حتى ان الأكثر تمسكا بالدين اليهودي أي ” الحريديم ” لا يعترفون بمشروعية دولة إسرائيل ولذلك يرفضون الخدمة العسكرية في جيشها.وهم لذلك يساهمون في فضح إستغلال الصهيونية للخطاب الديني تبريرا لممارساتها العنصرية وتغطية على خلفياتها الإجرامية ..فيما تمثل جماعة ناطوري كارتا ( أي حراس المدينة ) ذروة التحدي للعقيدة الصهيونية فلا تعترف بدولة إسرائيل أصلا ومن خلفية دينية..جميع هذه الأسباب مجتمعة تشكل دلائل واقعية وموضوعية هامة على أن إنهيار دولة الكيان قد بدأ ..وأن تصدع جبهته الداخلية غير المتماسكة أصلا وغير المتجانسة أساسا ؛ سوف يكون هو الطريق الأكيد لإنهياره في مدى منظور وغير بعيد..مع العلم أن كل الإسرائيليين ينتمون إلى جنسيات أخرى ويحملون جوازات سفر البلدان التي ينتمون إليها وجاؤوا منها..ومن اليسير عليهم العودة إلى بلادهم ومغادرة الأرض التي إغتصبوها من أهلها..فلا هي أرضهم ولا ينتمون إليها إلا بدوافع وهمية مصطنعة كاذبة لا تتفوق موضوعيا على عدم الإحساس بالأمان..فلا يضحون بحياتهم مقابل أرض لا يملكونها ومستقبل غامض لا يثقون به ..وهم حين يعودون إلى بلادهم لن يسكنوا الخيام كلاجئين بل يعودون كمواطنين عاديين فلن يواجهوا أية مشكلات حياتية أو قانونية أو حتى وظيفية..الأمر الذي يسهل عليهم فكرة المغادرة..سيما وانهم عموما من الميسورين..فهم ليسوا أصحاب الأرض وبالتالي ليسوا على إستعداد لدفع حياتهم ثمنا للبقاء فيها وهم يعلمون أن بإمكانهم مغادرتها حفاظا على أمنهم ومستقبلهم الشخصي..وقد برأت تتوالى الأصوات اليهودية في العالم وحتى في الولايات المتحدة ، تتعالي مستنكرة جرائم دولة الكيان ومطالبة بوقف حرب الإبادة وجرائم التطهير العرقي في فلسطين..يمكن القول أن رأيا عاما شعبيا يتعاظم دوره لصالح شعب فلسطين حتى باتت قضية فلسطين قضية الأحرار في العالم وبدات تأخذ موقعها كعامل أساسي في كشف وتعرية الصهيونية العالمية وإبتزازها للعالم الغربي في قضية غير إنسانية وتبريرا لسلوك وحشي إجرامي لم يعد يجد ما يبرره رغم كل القوانين التي تجرم ” معاداة السامية ” والتي تستخدم سلاحا لمنع أية إنتقادات لدولة الصهاينة بل رعبا على من يعترض عليها أو ينتقدها ويقف الى جانب الحق الفلسطيني..أصبحت قضية فلسطين عنوانا لمطالب إنسانية ترفض الظلم والعدوان وترفض الهيمنة الصهيونية على صناعة القرار حتى في الداخل الغربي.وما فوز الشاب المسلم زهران محمداني برئاسة بلدية نيويوك على منافسه الميلياردير الصهيوني سوى مؤشر مهم جدا على تلك التحولات الجارية في الضمير الشعبي العام وخصوصا في أميركا لصالح فلسطين ورفضا للتسلط الصهيوني وكل سردياته وإدعاءاته..المحمداني خاض معركته تحت عنوان دعم فلسطين وتأييد مقاطعة دولة الصهاينة في قلب أهم معقل للنفوذ الصهيوني وتأثيره على السياسة الأميركية..نيويورك اكبر تجمع لليهود في العالم خارج فلسطين المحتلة..علما أن فعاليات يهودية كثيرة معادية للصهيونية أيدته ومنها السيناتور الأميركي بيرني ساندرز..هذا فيما شعب فلسطين الذي يدفع تضحيات باهظة جدا دفاعا عن أرضه متمسكا بها لأنه صاحب الحق بها وفيها رغم كل العدوان وكل الإغراءات الأميركية له بتأمين حياة مستقرة مطمئنة لمن يغادر فلسطين إلى أية بلاد أخرى..الفلسطيني يدفع الثمن البالغ دفاعا عن أرضه رافضا كل إغراءاتهم ومواجها أشرس عدوان إجرامي وحشي والصهيوني يغادر لأنه غير مستعد للتضحية فيما تتوفر له كل أسباب الحياة المطمئنة خارج فلسطين..معادلة واضحة تبين من صاحب الأرض ومن مغتصبها.. في مقال نشرته صحيفة هآرتس يوم الإثنين الماضي في 16 حزيران الحالي قال الكاتب ليفي كوهين : أليس من الأفضل أن نغادر هذه الأرض ونتركها لأصحابها الأصليين “.. وذكر أن مليون ” إسرائيلي ” غادر فلسطين منذ طوفان الأقصى..وتحدث ألإعلام العبري أن ما مجموعه خمسة وعشرون ألف مستوطن طلبوا المغادرة في يوم واحد..في 21 من شهر حزيران الحالي..فضلا عن عشرات آلاف الذين يغادرون عبر البحر أو بريا دون إذن أو تصريح..وحينما تصل الأمور حدا دفع الحكومة لإتخاذ قرار بمنع مغادرة البلاد ؛ فهذا يدل على تدهور داخلي متفاقم وفقدان الثقة بالدولة والتخلي عن أوهام دينية أو أحلام معيشية سريالية.. المشكلة عدم وجود مؤسسات أو قوى شعبية عربية تستطيع التعامل مع هذه المتغيرات الإستراتيجية وتستثمرها إيجابيا لصالح حرية فلسطين بما في ذلك التواصل والتفاعل المثمر مع كل تلك النخب والفعاليات والأصوات اليهودية التي تخلت عن صهيونيتها بعد أن أدركت كذبها وإدعاءاتها الباطلة ..نطالب بتنشيط دور مؤسسة الدراسات الفلسطينية لتكون نواة مؤسسة عربية شاملة تغطي الحاجة إلى مثل هذا التفاعل الجدي المثمر.. يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى