المونة البعلبكية بين ذاكرة البيت وغلاء الأسعار
تقرير خديجة البزال

المونة البعلبكية بين ذاكرة البيت وغلاء الأسعار… حين تصبح مؤونة الشتاء كلفةً إضافيةفي بعلبك، لا يبدأ موسم المونة من المطبخ فقط، بل من الأرض.مع نهاية الصيف وبداية الخريف، تنشغل العائلات بتحضير ما تيسّر من خيرات الموسم: الكشك، المكدوس، المخللات، دبس الرمان، ربّ البندورة، ورق العنب، المربيات، المجففات وغيرها.لكن هذا العام، تبدو الصورة مختلفة. فالمونة التي كانت تُعتبر وسيلة لتوفير مؤونة الشتاء، أصبحت بالنسبة إلى كثير من العائلات معادلةً تحتاج إلى حساب دقيق، في ظل ارتفاع أسعار الخضار والمواد الأولية والعبوات والزيوت والغاز وكلفة النقل.من “نموّن للشتوية” إلى “قديش بدها تكلف؟”تقول إحدى سيدات المنازل في بعلبك:> “كنا نعتبر المونة توفيرًا، نشتري الخضرة من الموسم ونحضّرها للشتوية. اليوم صرنا قبل ما نبدأ نحسب الكلفة: البندورة، الزيت، الملح، المرطبانات وحتى الغاز.”وتضيف:> “ما عاد فينا نمّون مثل قبل. منختار الأصناف الأساسية، والباقي منتركه حسب القدرة.”أما إحدى النساء اللواتي يعملن في إنتاج المونة المنزلية وبيعها، فتشير إلى أن ارتفاع الكلفة لا ينعكس فقط على المستهلك، بل على المنتج أيضًا:> “نحن لا نريد أن نرفع الأسعار، لكن كل شيء ارتفع. المواد التي نشتريها، العبوات، الكهرباء، النقل، وحتى الوقت والجهد. وإذا بعنا بسعر منخفض نخسر، وإذا رفعنا السعر يخاف الزبون.”الكشك… ذاكرة بعلبكية تواجه الغلاءيبقى الكشك واحدًا من أبرز الأصناف المرتبطة بالمونة في منطقة بعلبك. تحضيره يحتاج إلى البرغل واللبن والملح ووقت طويل من العمل والتجفيف.وتقول إحدى السيدات:> “الكشك ليس مجرد أكلة، هو عادة ورثناها عن أمهاتنا. لكن اليوم حتى الكشك صار مكلفًا، خصوصًا عندما نحسب كل المواد والوقت الذي يحتاجه.”وتضيف:> “مع ذلك، نحاول ألا نتخلى عنه، لأن هناك أشياء إذا توقفت مرة يصعب أن تعود.”المونة مصدر رزق أيضًابالنسبة إلى بعض الأسر، لم تعد المونة مجرد حاجة منزلية، بل تحولت إلى مشروع صغير يساعد في تأمين دخل إضافي.إحدى المنتجات تقول:> “نحن ننتج من خيرات أرضنا ونبيع الفائض. هذا يساعدنا، لكن نحتاج إلى سوق أكبر وإلى دعم حقيقي حتى نستطيع الاستمرار.”وترى أن تنظيم الإنتاج ضمن تعاونيات أو مجموعات نسائية يمكن أن يخفف جزءًا من الكلفة ويمنح المنتج البعلبكي قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق.ماذا يقول المستهلك؟في أحد الأسواق في بعلبك، تقول إحدى السيدات:> “المونة البلدية أطيب وأضمن بالنسبة إليّ، لكن الأسعار أصبحت مرتفعة. أحيانًا أشتري نصف الكمية التي كنت أشتريها سابقًا.”ويقول مواطن آخر:> “زمان كانت المونة تساعدنا على التوفير طوال الشتاء. اليوم إذا أردت أن تحضّر كل الأصناف، تحتاج إلى مبلغ كبير. لذلك نشتري الضروري فقط.”بين التراث والاقتصادالمونة البعلبكية اليوم تقف عند تقاطع ثلاثة عناصر: تراثٌ يجب الحفاظ عليه، إنتاجٌ زراعي يجب دعمه، وقدرةٌ شرائية تتراجع أمام ارتفاع الكلفة.وبين امرأة تحاول أن تحافظ على وصفة والدتها، ومنتجة تحاول أن تحوّل مهارتها إلى مصدر دخل، ومستهلك يحسب كل ليرة قبل أن يشتري، تبقى المونة جزءًا من الحياة البعلبكية، لكن استمرارها يحتاج إلى أكثر من الحنين إلى الماضي.فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على وصفات المونة، بل حماية المنتج المحلي، دعم صغار المنتجين، وفتح أسواق أمام المنتجات الريفية، حتى تبقى المونة مصدر رزق وذاكرة في آن واحد.وفي بعلبك، قد تتغير الأسعار من موسم إلى آخر، لكن تبقى هناك رغبة واحدة لدى كثير من العائلات:أن تبقى جرّة الكشك، ومرطبان المكدوس، وعبوة دبس الرمان… شاهدةً على أرضٍ ما زالت تعطي، وبيوتٍ ما زالت تعرف كيف تحفظ خيراتها.