أخبار محلية
جدارية من رسائل الحزن والنور من الفكر الثاقب للأستاذ محمد سعيّد حفظه الله ، بعد رحيل كريمته الحاجة رامونا…بقلم :كمال عثمان.

في حضرة الغياب، لا تنطفئ الكلمات، بل تتحوّل إلى نوافذ يطلّ منها القلب على المعنى.
ومن وجع الفقد، يولد كلامٌ يشبه الدعاء أكثر مما يشبه الحروف… كلامٌ يغسل الروح كما يغسل المطر الطرقات دون أن يسأل من تمرّ عليه.
- شوف كرم الله…
كيف المطر ينزل بلا تمييز، على السطوح والجبال والسهول، على الغني والفقير، على القريب والبعيد.
هكذا يعلّمنا الرب أن العطاء لا يعرف مذهباً ولا طائفة، وأن الابتسامة حين تُوزَّع على الناس جميعاً، تصبح صلاةً خفية تحفظ المحبة بين القلوب. - وفي بيوت العمر القديمة،
أبوابٌ شابت أخشابها لكنها لم تخن ساكنيها، حملت البرد عنهم، وسترَت غدرات الزمن، ولم تشكُ يوماً رغم كثرة من مرّوا بها…
كانت البيوت أوفى من البشر أحياناً، تحفظ رائحة من رحلوا ولا تنسى تعب السنين. - أما الإنسان…
فكيف يخجل من يدٍ حملته إلى النجاح؟
كيف يستحي من تعب أمّه أو تجاعيد أبيه، بينما هو يتزيّن بما لم يكن له لولا عرقهم؟
البرّ ليس كلمة، بل اعتراف جميل بالفضل، ووفاء لا يذبل. - كن متواضعاً…
فالتواضع ليس ضعفاً، بل نضجٌ يخفّف عن القلب ثِقل الادعاء.
أن تكون قريباً من البسطاء، من المكسورين، من الذين لا يملكون إلا صدقهم، هو شكل آخر من الإنسانية التي لا تصنعها المظاهر. - كانت العونة زمان…
الناس تعرف بعضها في الحصاد، في الخبز، في الأفراح والأحزان.
لا أجير ولا حسابات باردة… فقط “إلي إلك وإلك إلي”.
واليوم تغيّر كل شيء، وضاعت البركة بين العجَل والأنانية. - وزّعوا ابتساماتكم…
على المارّة، على الجالسين على الأرصفة، على الوجوه التي أنهكها الغياب.
فالابتسامة قد تكون خبزاً ليتيم، أو نوراً لمكسور، أو دعاءً لا يُرى لكنه يصل. - كانت المدرسة في القرية…
طينٌ وبساطة وحصيرة وسبورة معلّقة على جدار، لكن فيها شغفٌ لا تملكه أكبر المدارس.
كان المعلم يؤمن أن من يريد أن يتعلّم سيتعلّم، ومن يريد أن يعلّم سيضيء الطريق مهما كانت الوسائل فقيرة. - وفي تفاصيل الصباح القديمة…
شيبة الشعر، صرير الأبواب، صوت الإبريق، ورائحة الصابون البسيط…
كانت الحياة تبدأ من أشياء صغيرة، لكنها كانت كاملة الدفء، صادقة الإيقاع، لا تعرف التكلّف. - ثم تغيّر الزمن…
صار الطعام يأتي إلى الباب بضغطة زر، وصار الدخان الذي كان يجمع العائلة ذكرى بعيدة،
وضاعت حول الموقدة جلسات كانت تجمع القلوب قبل الأطباق. - حتى النوافذ…
لم نعد نقعد إلا عندها، كأنها المتنفس الأخير لروح تبحث عن امتداد أبعد من جدران الحياة.
ثم تأتي الحقيقة الثقيلة…
أن الدنيا صغيرة، قاسية، تحمل في لحظة ما لا يُحتمل: بيت يتحول إلى حجارة، عائلة تتبدد، وأحبة يغيبون بلا عودة.
ويبقى الصبر بالله هو الملاذ الوحيد أمام قسوة الفقد.
ومع ذلك…
في وسط هذا الانكسار، يولد درس آخر:
الصديق الحقيقي كنز، ليس بكثرته بل بصدقه، بمن يقف معك حين تنكسر الأشياء كلها.
كلمة صادقة قد تساوي عمرًا من العزاء.
هكذا تتجمع الرسائل…
لا ككلمات متناثرة، بل كجدارية واحدة:
فيها المطر، والبيت، والأم، والتواضع، والذاكرة، والقرية، والخبز، والضحكة، والفقد، والصديق…
وفي قلبها كلّها، يقف الحزن لا ليكسر، بل ليعلّم كيف نحبّ الحياة رغم كل شيء.