أخبار محلية

لعن الأموات… عادةٌ تُعمّق الانقسام وتمزّق القيم: الدرس السوري من تجارب الأمم

✳ لعن الأموات… عادةٌ تُعمّق الانقسام وتمزّق القيم: الدرس السوري من تجارب الأمم ✳
د. بسام أبو عبد الله – الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين د

في مشهد يتكرر على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، يبرز بعض أنصار الفصائل المسلحة في سوريا – ومنهم مقاتلون محسوبون على أحمد الشرع (الجولاني) وإعلاميون ومثقفون – بلعن روح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، بل وقيامهم بنبش قبره. قد تبدو هذه الممارسات للبعض نوعًا من “الانتقام الرمزي”، لكنها في جوهرها انعكاس لـانحطاطٍ أخلاقي وثقافي يهدد بإطالة أمد الانقسام السوري بدل تجاوزه.
لم تكن سوريا وحدها مسرحًا لهذه الظاهرة؛ فقد عرفتها شعوب أخرى عبر التاريخ. في روما القديمة صدرت قوانين damnatio memoriae أو “لعن الذاكرة” لمحو أسماء وصور الخصوم السياسيين بعد موتهم، فكانت النتيجة تأجيج الصراعات بدل إنهائها. وشهدت فرنسا الثورية نبش قبور ملوك فرنسا في “سان دوني” والتنكيل بها باسم “الحرية”، لكن المؤرخين يعتبرونها اليوم صفحة سوداء أساءت إلى سمعة الثورة. وعرف العراق بعد عام 2003 لعنًا علنيًا لرموز النظام السابق ما غذّى خطاب الانتقام الطائفي بدل بناء مصالحة وطنية.
تحظر أغلب الأديان والمعتقدات الكبرى الإساءة للموتى. فـالإسلام يدعو إلى ذكر محاسن موتاكم أو السكوت عنهم، والمسيحية تحض على المغفرة حتى للخصوم، والقديس أوغسطينوس اعتبر النيل من سمعة الموتى خطيئة تعود بالعار على القائل. أما اليهودية فلديها مبدأ كافود هميت أي “كرامة الميت” الذي يمنع النيل من سمعة الميت أو جثمانه. وتؤكد المعتقدات الكونفوشية والبوذية في شرق آسيا احترام أرواح الأسلاف والخصوم على حد سواء باعتبارها جزءًا من التناغم المجتمعي، وترى أن لعن الموتى انتهاك لـالطهارة الأخلاقية يجلب النحس وسوء الحظ للعائلة والنسل. وفي ثقافات غرب إفريقيا يُعتقد أن الأرواح تظل حاضرة في حياة الأحياء وأن أي إهانة أو لعنة موجهة إليها تستجلب لعنة مضادة على القائل وأسرته، لذلك تُقام طقوس اعتذار إذا صدر كلام مسيء للميت. وفي بعض بلدان أوروبا الشرقية يقال: من يلعن الموتى يفتح على نفسه باب الشر.
لعن الموتى ليس عدالة ولا كشفًا للحقيقة؛ إنه شكل من أشكال العنف الرمزي يضعف أي مشروع لبناء دولة حديثة أو مصالحة وطنية. الدول التي احترمت حتى خصومها الموتى – مثل جنوب إفريقيا في مرحلة ما بعد الأبارتهايد – نجحت أكثر في الانتقال إلى السلام والاستقرار.
إن إطالة أمد هذه العادة القميئة لا تبني عدالة انتقالية ولا تُعيد للضحايا حقوقهم، بل تعمّق الشرخ الطائفي والسياسي. وإذا كان الهدف بناء دولة قانون، فالمحاكمات العلنية والشفافة هي الطريق، لا اللعن والشتم حتى بعد الموت.
من أراد الاستمرار في “التراقص” على أنغام لعن روح حافظ الأسد، فعليه أن يلعن – إن شاء – أرواح مصطفى طلاس، وعبد الحليم خدام، وحكمت الشهابي، ومحمود الزعبي، وعبد القادر قدورة… والقائمة تطول.
إن الشعوب الحضارية تقيم موضوعيًا وعلميًا كل مرحلة تاريخية لتنصف زعماءها السياسيين، وترتقي بـثقافة شعبها السياسية، وتنقله إلى مستوى أرقى، لا إلى الحضيض حيث تُنبش القبور وتُلعن أرواح الموتى في تعبير عن انحطاط أخلاقي وسياسي وحضاري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والتشرذم المجتمعي – إلا إذا كان هذا هو المطلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى