أخبار محلية

ليست كل الهزائم تأتي من رصاص العدو، فبعض الهزائم تبدأ من الداخل، حين يصبح الذين يدافع عنهم الإنسان أقل اكتراثًا بوطنهم من الذين يحاربونهم. بقلم عمادبرو.

تُروى قصة عن تشي جيفارا أنه حين أُلقي القبض عليه، كان أحد رعاة الأغنام ممن دلّوا على مكانه. فسأله أحد الجنود مستغربًا: كيف تدلّ على رجل قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟

فجاء الجواب بسيطًا وقاسيًا:

كانت حربه مع العدو تُخيف أغنامي.

قد تبدو الإجابة ساخرة، لكنها تختصر مأساة أكبر: عندما تصبح المصلحة الشخصية أهم من القضية، يتحول المدافع عن الناس إلى مصدر إزعاج، ويصبح العدو أقل إزعاجًا من مقاومته.

وفي مصر، تروي الرواية المتداولة عن القائد الوطني محمد كريم صورة أخرى للمأساة نفسها.

وقف محمد كريم في وجه الحملة الفرنسية بقيادة نابليون، ودافع عن الإسكندرية، حتى وقع في الأسر وصدر الحكم بإعدامه.

استدعاه نابليون، وأبدى إعجابه بشجاعته، ثم عرض عليه العفو مقابل عشرة آلاف قطعة من الذهب تعويضًا عن خسائر الجيش الفرنسي.

أجاب محمد كريم بأنه لا يملك هذا المبلغ، لكنه يملك ديونًا لدى تجار الإسكندرية تتجاوز مئة ألف قطعة من الذهب.

فمُنح مهلة، وخرج إلى المدينة مكبلًا، تحيط به بنادق جنود الاحتلال، وهو يعتقد أن من دافع عنهم لن يتركوه وحيدًا.

لكن المفاجأة لم تكن في بنادق الاحتلال، بل في أبواب التجار التي أُغلقت في وجهه.

لم يجد من ينقذه، بل وجد من يحمّله مسؤولية ما أصاب تجارتهم، وكأن المشكلة لم تكن في الاحتلال، بل في الرجل الذي قاومه.

عاد محمد كريم إلى نابليون، وقد خسر الأمل في قومه، لكنه لم يخسر كرامته.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فقد يستطيع الإنسان أن يقف في وجه جيش كامل، لكنه يعجز عن الوقوف في وجه مجتمع لا يريد أن يدفع ثمن حريته.

العدو يحاربك لأنه يريد أرضك، أما بعض أبناء وطنك فقد يتخلون عنك لأنهم يريدون أرباحهم.

ولهذا، فإن أخطر ما يواجه الأوطان ليس دائمًا قوة أعدائها، بل ضعف الوعي لدى أبنائها؛ حين تصبح التجارة أهم من الحرية، والراحة أهم من الكرامة، والمصلحة الشخصية أهم من مستقبل الوطن.

وكما نُسب إلى محمد رشيد رضا:

الثائر من أجل مجتمع جاهل، كمن أشعل النار في جسده ليضيء الطريق لرجل أعمى.

فالثائر لا يحتاج فقط إلى الشجاعة ليواجه عدوه، بل يحتاج أيضًا إلى مجتمع يعرف لماذا يقاتل، ولماذا يضحي، ومن أجل من تُبذل التضحيات.

لأن أقسى لحظة على المدافع عن وطنه ليست عندما يواجه العدو وحده، بل عندما يكتشف أنه يقف وحده بين أبناء وطنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى