أخبار محلية

الشيخ علي النقي زغيب اليونيني

العلّامة الشيخ علي النقي زغيب اليونيني أوّل مفتٍ رسميّ للشيعة في بعلبك بعد قيام دولة لبنان الكبيريحتلّ العلّامة الشيخ علي النقي زغيب اليونيني (1867–1937) مكانةً بارزة في تاريخ بعلبك الديني والثقافي؛ فقد جمع بين الفقه والأدب والشعر، وتولّى منصب الإفتاء الجعفري في بعلبك عام 1926، ليكون أوّل مفتٍ رسمي للشيعة فيها. وتستند المعلومات الآتية إلى دراسات تناولت سيرته، وفي مقدّمها دراسة ديوان شعره، وإلى موادّ توثيقية عن تكريمه وإرثه العلمي. �أولاً: النسب والنشأةوُلد الشيخ علي النقي زغيب في بلدة يونين، شمال مدينة بعلبك، سنة 1867، في أسرة عُرفت بالعلم الديني والأدب. وهو ابن الشيخ حسين زغيب، الذي عُرف بلقب «شمس العراقيين»، وكان من رجال العلم والتعليم في المنطقة.نشأ في بيئة جعلت من العلم رسالةً ومن التعليم مسؤوليةً اجتماعية. وقد تركت هذه النشأة أثرها في تكوين شخصيته، فجمع بين التفقّه في الدين والاهتمام باللغة العربية والأدب والشعر. �ثانياً: رحلته في طلب العلمبدأ دراسته على يد والده، فحفظ القرآن الكريم وتعلّم مبادئ الكتابة والنحو والصرف، ثم تابع تحصيله العلمي خارج بلدته.انتقل إلى بلدة حناويه في جبل عامل، حيث درس على أيدي علماء المنطقة، ومنهم الشيخ محمد علي عزّ الدين، ثم توجّه إلى دمشق والتحق بمدرسة الشيخ أبي الفرج الخطيب، في مرحلة كانت فيها الدولة العثمانية تفرض التجنيد على فئات من الطلاب.لم تكن رحلته العلمية مجرّد انتقال بين المدارس؛ بل كانت مسيرةً لتكوين عالمٍ يمتلك أدوات الفقه واللغة والأدب، ويستطيع توظيف معرفته في خدمة مجتمعهثالثاً: تأسيس دار الإفتاء الجعفري في بعلبكتُعدّ هذه المحطة من أبرز محطات حياته.بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، سعى الشيخ علي النقي زغيب إلى إقرار دار إفتاء جعفرية رسمية في بعلبك، في سياق التحوّلات الإدارية والقضائية التي شهدها لبنان خلال تلك المرحلة.وقد تُوّج مسعاه بصدور مرسوم تعيينه مفتياً للشيعة في البقاع بتاريخ 7 أيار 1926، ليصبح أوّل مفتٍ رسمي للشيعة في المدينة وفق المصادر التاريخية التي تناولت سيرته.ولم يكن هذا المنصب مجرّد لقب ديني؛ بل مثّل خطوةً في ترسيخ الحضور المؤسسي للمرجعية الدينية الجعفرية في بعلبك الهرمل ، وإتاحة إطار رسمي يتابع شؤون أبناء الطائفة الدينية والاجتماعية.وتشير بعض الكتابات التي تناولت تجربته إلى أنّه أراد لهذا الموقع أن يكون عامل تقريب بين المسلمين، لا سبباً للتباعد بينهم. �رابعاً: العالم المعلّملم يقتصر دور الشيخ علي النقي زغيب على الإفتاء؛ فقد مارس التعليم، وافتتح مدرسة في بلدته يونين بعد الحرب العالمية الأولى، مواصلاً بذلك رسالة والده في نشر المعرفة وتربية الأجيال.وتكتسب هذه الخطوة أهميةً خاصة عند النظر إلى واقع التعليم في تلك المرحلة، حين كانت المدارس الدينية تؤدي دوراً أساسياً في تعليم اللغة والفقه وإعداد الطلاب.لقد كان التعليم بالنسبة إليه امتداداً طبيعياً لوظيفة العالم، ومسؤوليةً تتجاوز حدود المنصب الرسمي إلى بناء الإنسان وصيانة الهوية الثقافية للمنطقة. �مجلة إطلالة جبيليةخامساً: الأديب والشاعرامتلك الشيخ علي النقي زغيب موهبةً أدبية إلى جانب تكوينه الفقهي، ونظم الشعر في موضوعات متعدّدة، منها السياسة والوطن، والحكمة والموعظة، والرثاء والمناسبات الاجتماعية.وقد جُمعت قصائده في كتاب «ديوان الشيخ علي النقي زغيب»، الذي جمعه وحقّقه الأستاذ محمد علي سعيد، انطلاقاً من دراسة جامعية أعدّها في الجامعة اللبنانية عام 1992، وصدر الكتاب عن دار المحجة البيضاء في بيروت عام 2012.ويتيح هذا الديوان قراءة جانب من شخصيته الفكرية، وفهم اهتماماته الأدبية والوطنية، فضلاً عن علاقاته بالمحيط الثقافي في عصره.ومن المحطات اللافتة في مسيرته الأدبية مشاركته في استقبال الشاعر اللبناني الكبير خليل مطران في بعلبك يوم 11 حزيران 1924، وهي مناسبة تكشف عن حضور المدينة في الحياة الأدبية اللبنانية آنذاك. �مجلة إطلالة جبيليةسادساً: مكانته في الحياة العامةعاش الشيخ علي النقي زغيب في مرحلة انتقالية دقيقة، شهدت نهاية الحكم العثماني وبداية الانتداب الفرنسي وتأسيس المؤسسات الحديثة في لبنان.وفي هذه المرحلة، ارتبط اسمه بتعزيز حضور المرجعية الجعفرية في بعلبك الهرمل، إلى جانب نشاطه في التعليم والأدب.وقد استعاد عدد من العلماء والشخصيات المحلية سيرته في مناسبات تكريمية، مشيرين إلى جمعه بين العلم والفقه والأدب والمسؤولية الاجتماعية، وإلى أهمية دوره في تاريخ المدينة ومنطقتهاسابعاً: الوفاة والإرثتوفّي الشيخ علي النقي زغيب في بعلبك سنة 1937، ونُقل جثمانه إلى بلدته يونين، حيث وُوري الثرى في مأتم شاركت فيه عائلات وشخصيات من المنطقة.ولم تنتهِ سيرته بوفاته؛ فقد بقي اسمه حاضراً في الذاكرة العلمية والثقافية لبعلبك، واستمر الاهتمام بآثاره الشعرية وبالدور الذي أدّاه في مرحلة تأسيس الإفتاء الجعفري الرسمي في المدينة. �إنّ سيرة الشيخ علي النقي زغيب اليونيني تتجاوز حدود منصبه الديني؛ فهي سيرة عالمٍ نشأ في بيت علم، ورحل في طلب المعرفة، ومارس التعليم، وترك أثراً أدبياً، وسعى إلى تثبيت الإفتاء الجعفري في بعلبك ضمن مؤسسات الدولة الناشئة.وتكمن أهمية استعادة سيرته اليوم في حفظ ذاكرة بعلبك والبقاع، وإنصاف رجالاتهما الذين أسهموا في بناء الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية، بعيداً عن الأضواء.المصادرمجلة إطلالة جبيلية — قراءة في كتاب ديوان الشيخ علي النقي زغيب⁠�موسوعة التراجم والأعلام — الشيخ علي النقي ابن الشيخ حسين زغيب⁠�جمعية الإمام الصادق لإحياء التراث العلمائي — تكريم مفتي بعلبك الراحل⁠�

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى