المقاومة الثقافة بقلم د.نسيب حطيط باحث سياسي من لبنان .
.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة… “تنصيب الحكومات، ونزع السلاح، ونهب الثروات، وإلغاء الشعوب”!
تستمر الحرب الأمريكية، للسيطرة على العالم مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط، لما تمثله من موقع جيوسياسي واقتصادي استراتيجي على مستوى الطاقة من نفط وغاز، ولاعتبارها ساحة النار المشتعلة منذ الحرب العالمية الثانية، والجغرافيا المقدسة عند المسلمين والمسيحيين واليهود، وبؤرة الصراع التاريخي بين الأديان، وفي مرحلته الأخيرة بين المسلمين “السنة والشيعة”، بعد إشعال أمريكا لصراع “إسلامي-إسلامي” جديد بين الإسلام بمذاهبه الفقهية، وبين المذهب التكفيري الذي تمثله الوهابية والجماعات التكفيرية متعددة الأسماء، والتي ساهمت أمريكا في استغلالها وتنظيمها وتوجيهها، بالارتكاز على الفكر الوهابي وشخصيات إسلامية متطرفة اعتمدت التكفير، إما بناءً على تكفير الذين لا يحكمون بالإسلام ويمثلون “الجاهلية الحديثة”، أو على الخلفاء التكفيريين الذين صنعتهم أمريكا منذ حقبة “الأفغان العرب” و”القاعدة” و”داعش” و”جبهة النصرة” و”طالبان” وبقية الجماعات في العالم.
لقد غيّرت أمريكا استراتيجيتها للسيطرة على العالم، فانتقلت من استراتيجية الغزو والحروب المباشرة، تجنباً للخسائر البشرية والتكاليف المالية، إلى استراتيجية “الحرب البديلة” التي تعتمد على الركائز الأربع التالية:

- تنصيب الحكومات والأنظمة السياسية والرؤساء والمسؤولين العسكريين والماليين.
- نزع أي سلاح يواجه المشروع الأمريكي-الإسرائيلي، وحل الجيوش القادرة على المواجهة وحماية بلادها، ودعم جماعات مسلحة في مقدمتها الجماعات التكفيرية، وإنشاء قوى عسكرية ،لقمع حركات المعارضة الوطنية وتنفيذ الأوامر الأمريكية، كنسخة محلية من شركة “بلاك ووتر” للمرتزقة، مع فارق أن أمريكا لا تدفع الرواتب ولا التكاليف، بل تقبض ثمن الأسلحة التي تفرض شراءها على الحكومات.
- نهب ومصادرة الثروات من نفط وغاز ومياه وكل الثروات فوق الأرض وتحتها، لتكون أمريكا هي المالك الحقيقي والمستثمر الأول، مع إعطاء بعض الفتات للحكام أو الحكومات مقابل توقيعها، أو عملهم كوكلاء وحراس للمصالح الأمريكية، وإضفائهم الشرعية والقانونية على النهب الأمريكي والسرقات بعنوان “التعاون والاتفاقيات المشتركة للاستثمار” وفق منظومة “السيد والعبد”.
- تزييف إرادة الشعوب وتهميش دورها ورمي أصواتها الانتخابية في سلة المهملات، عبر تجاوز نتائج الانتخابات فتفرض أمريكا تنصيب رؤساء الجمهوريات والحكومات وحتى الوزراء، وتضع “الفيتو” على كل اسم ترشحه الأحزاب في دولها وإجبارها على التصويت لصالح المرشح الأمريكي لضمان “ديمقراطية الانتخابات”، كما حدث في العراق ولبنان وسوريا وفنزويلا والسلطة الفلسطينية وغيرها من الأنظمة، إذ لا يوجد مصطلح “شعب” في المشروع الأمريكي، بل قطعان من العبيد والآلات البشرية يتم استخدامهم، إما لقتال بعضهم، أو لإسقاط الأنظمة المتمردة على أمريكا وإسرائيل.
يتقدم المشروع الأمريكي للسيطرة وصناعة “الشرق الأوسط الجديد” سياسياً وعسكرياً وثقافياً وفق الإملاءات والخطط الأمريكية بشكل متسارع، حيث سقطت أغلب المنطقة وشعوبها وأنظمتها ومؤسساتها الدينية ومفكريها أمام الزحف الأمريكي-الإسرائيلي، والمنطقة قاب قوسين أو أدنى من إعلان “الردّة” عن قيمها، واعتناق “الديانة الإبراهيمية” للشعوب و”اتفاقات إبراهام” للأنظمة والحكومات والسياسيين، لتغيير العقيدة والثقافة لضمان الأمن والمصالح الأمريكية-الإسرائيلية، حيث تحاول أمريكا “تلقيح” العقل العربي والإسلامي، بثقافة هجينة تعتبر المقاومة والدفاع عن الأرض مغامرةٌ وإرهاب وخروج عن إجماع الأمة التي استسلمت، بالارتكاز على الحديث المنسوب للرسول الأكرم (ص)(تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) لصناعة أجيال تعتبر العبودية والطاعة لأمريكا وإسرائيل عملاً عبادياً ودينياً يضمن الجنة، لأنه أطاع المحتل والحاكم الظالم ولم يلقِ بنفسه في “تهلكة” المقاومة والدفاع عن نفسه ودينه!
لم يبقَ في هذه الأمة إلا بعض ساحات المقاومة والمواجهة، وبعض النجوم المضيئة في هذا الليل العربي والإسلامي المظلم، حيث لا يزال المقاومون في لبنان وإيران واليمن وفلسطين يواجهون هذه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية والتحالف العالمي، رغم عدم تكافؤ القوى وتكاثر أهل الغدر والمحايدون، وتكاد قضية فلسطين تشطب من عقول العرب والمسلمين بعد إبادة غزة ومطاردة المقاومين والتضييق عليهم في العالم العربي.
لا خيار أمام الأحرار من العرب والمسلمين إلا المقاومة، رغم عدم تكافؤ القوى، فالسيطرة الأمريكية-الإسرائيلية ليست قدراً محتوماً لا يمكن تغييره، ولن يكون الاستسلام طريق نجاة، بل إذلال وموت بطيء، وإعلان طوعي بقبول الاستعباد والاستعمار، وإهدارٌ لكل التضحيات والإنجازات الماضية.
الحرب طويلة ويمكن أن تمتد لأجيال، فإن كنا لا نستطيع الانتصار على أمريكا وإسرائيل فعلينا المقاومة حتى لا نُهزم، وإن لم نستطع فعلينا الاستمرار بالمقاومة لعدم إعطاء أمريكا وإسرائيل الأمان، ولو تفكّكت حركات المقاومة وسقطت دولها، فعلينا أن نبقى مقاومين ولو “منفردين”، لإبقاء شعلة المقاومة… ثقافةً ورصاصةً.