د_فاطمة_مهدي_البزال
.
أقِفُ الآن على حافَةِ هذه اللحظة وفي صدري شُعورٌ مُترَعٌ بالامتنانِ ، كَمَن ترَكَ قلْبَهُ عند سُطورِ الكتابِ ثمّ جاءَ ليُسلّمَ على مَن ألقَوا عليهِ النظرةَ الأولى.
عندما جمعت حكاياتِ هذه المجموعة، أردت أن أستذكر سيرة الشهيد ملاكا حطّ بيننا ، لم نشعر بثقله لأن الروح هي من كانت تُسيّر هذا الجسد ، ذلكَ الفتى الذي كانَ يرتشفُ قهوته ببطءٍ في الصباح، ويرتّبُ خُططه الصغار للأسبوع القادم، ويخافُ أحياناً من المجهول، ويضحكُ ملءَ رِئتيهِ مع أصدقائه. كتبتُ عن تفاصيلهم العاديةِ جدّاً قبلَ أن تتّسعَ الفجوةُ بين الأرضِ والسماء. عن رسائِلهم القصيرةِ التي انقطعت في منتصفِ الفكرة، عن عِطرِهم المتروكِ على رفوفِ الخزائن، وعن أحلامهم البسيطة التي قُطِعتْ قبلَ الأوان. أردتُ لهذه المجموعةِ أن تكونَ بيتاً دافئاً ووثيقةَ حُبٍّ لأسماء خشيتُ عليها من صقيعِ الأرقامِ والنسيان.
إلى الأحبّةِ الذين أضاءوا المكانَ بحضورهم:
شكراً لكلّ مَن اقتطعَ جزْءاً من يومهِ ليكونَ بجانبي، ومَن تحمّلَ عناءَ الطريقِ ليقفَ معي في هذه المحطّة الإنسانيّة. حضوركم أثبت أن تلكَ الساعاتِ الطويلة التي قضيتُها في صياغة الأوراق، أخرجَ الحكاياتِ من صمتِ الورقِ ليمنحَها أنفاساً حيّة، وجعلَ من ألمِ الذكرى مساحةً للوفاء والالتقاء.
وإلى الأصدقاءِ الذين شاطروني هذه اللحظةَ غياباً،
وصلتني رسائل مَحبّتِكم كنسيمٍ يسبقُ الخُطوات. أعلمُ كيفَ تزحمُنا الأيّامُ، وكيف تقفُ الظروفُ قاسيةً أحياناً بيننا وبينَ ما نُحبّ، لكنّ قلوبَكم كانت حاضرةً برِقّتها.
تُطوَى اليومَ أوراقُ الأمسيةِ وتَهْدَأُ أضواءُ المكان، لكنَّ العَهْدَ المُنْعَقِدَ بيننا وبينَ أُولئك القدّيسينَ لا يَعرِفُ الافُول. إنَّ هؤلاءِ الشهداءَ الذين سَكَبُوا أَعْمَارَهُمْ ضِياءً خَالِصاً فِي عَتَمَةِ هَذَا العَالَم، كَانُوا هُمْ المَلْحَمَةَ ذَاتَهَا، وَأَصْحَابَ الكَلِمَةِ الأُولَى وَالأَخِيرَة، وَمَا كُنْتُ فِي حَضْرَتِهِمْ إِلا صَادِحة بِبَعْضِ صَدَاهُم، وَحَارِسة لِقَبَسٍ مِنْ خُلُودِهِم. أُودِعُ بينَ أَيْدِيكُمْ خَفْقَ قَلَمِي وَأَمَانَةَ أَرْوَاحِهِم، لِتَظَلَّ ذِكْرَاهُمْ قَلْعَةً مَكِينَةً لا تَهْتَزُّ أَمَامَ صَقِيعِ الزَّمَنِ أوْ عَبَثِ النِّسْيَان. سَلاَمٌ عَلَى المَلامِحِ الَّتِي غَادَرَتْنَا وَهِيَ تَفِيضُ بِالمَجْد، وَعَلَى الأَرْوَاحِ الَّتِي كَسَرَتْ هَيْبَةَ المَوْتِ بِعِزَّةِ الخُلُود. رَحِمَ اللهُ شُهَدَاءَنَا الأَبْرَار، أَرْبَابَ الفَضْلِ العَلِيِّ وَالرِّفْعَةِ الأَسْمَى، وَأَدَامَكُمْ اللهُ حِصْناً دَافِئاً يَحْرُسُ هَذَا العَهْدَ، وَسَنَداً يُسْتَضَاءُ بِهِ كُلَّمَا ادْلَهَمَّتِ الأَيَّام.
#صاعدا_نحو_السماء
#دار_كاف
#د_فاطمة_مهدي_البزال




