رجل من بلادي ——————– كان يمشي بين القلوب كأنَّهُ وضوءُ فجرٍ لا تغشاه غيمة،إذا نطقَ، تساقطَ من حروفه سُكَّرُ الحِلم،وإذا صمتَ، أنصتَ الوجودُ كأنَّهُ أمامَ صلاةٍ من نوعٍ آخر
رجل النور…
بقلم : السيد كمال عثمان
في الميتم، حيث العيون تنتظر يدًا تمسحُ عنها الغُبار،
كان هو اليدُ والرّحمةُ والمأوى.
مزيجٌ من وقارِ الأنبياء، وأناقةِ من عرفَ سرّ الحضور.
كانت رائحتهُ تُعلِّمُ المكانَ معنى الطُّهر،
وصوتهُ يعلو على جدارِ الخوف كترتيلةٍ تحفظُ القلوبَ الصغيرة.
كان يزرعُ في اليُتمِ نبتةَ الكرامة،
وفي الطاعةِ شمسَ المحبّة،
ويُشعلُ في كلِّ طفلٍ حلمًا بأنَّ اللهَ لا ينسى أحدًا.
حين مدّ يده إلى مبرّات السيد محمد حسين فضل الله،
كان يحملُ في كفّهِ ميثاقًا من الضوء،
فأزهرتِ الهرملُ في أيّامه،
وصارت الدموعُ تُسقى بالمعنى لا بالحزن.
عرفَ الجبالَ بأسمائها،
وحملها على كتفيه كما يحملُ الصادقُ أمانةَ الرسالة.
واليوم، بعد أن أودعَ عمرَهُ في خدمةِ النور،
ما زال يمشي على الأرضِ بخطى المَلاك،
يطرقُ أبوابَ الناسِ بوجهٍ من سماحة،
يُشيِّعُ الراحلينَ بدمعٍ حنون،
ويجمعُ الأحياءَ على كلمةِ خيرٍ كأنَّهُ الإمامُ في صلاةِ القلوب.
يا ابنَ السنديانةِ التي لا تنحني،
ويا زيتونةً باركَها اللهُ من قبلِ أن تُخلَقَ الأرض،
زيتُك يكادُ يُضيءُ لو لم تمسسهُ نار،
ونورُك من سرِّ الأوّلين، من حروفِ الذين أحبّوا اللهَ حبًّا طاهرًا.
سلامٌ عليك، أيّها المُربّي الذي صار دعاءً يمشي،
وسِيرةً تُتلى،
وحكمةً تُستقى من نبعٍ لا ينضب.
سلامٌ على قلبكَ الذي لا يشيخ،
وعلى هيبتك التي ما زالت تُربّي حتى بعد أن تقاعدت.
سلامٌ عليكَ بعددِ الأيتام الذين ابتسموا ذات يومٍ باسمك،
وبعددِ السنين التي علّمتنا فيها أنَّ النورَ، إذا صدق، لا ينطفئ.
أيها الرجل النور، يا من غرسَ في قلوبنا معنى التربية قبل أن يُملي علينا حروفها،
يا من علّمتنا أن القيادة ليست أمرًا يُمنح، بل روحٌ تُكتسب وسيرٌ يُؤتَمن عليه.
نقف اليوم أمام سيرتك كما نقف أمام منبرٍ من ضوء،
نستظلُّ بظلِّك، ونتفيّأُ برحمتك، ونتعلّم من حضورك أن الهيبة لا تُشترى،
بل تُبنى على سجاد الصبر، وعلى محراب العمل الصالح.
كنتَ الأبَ حين غاب الآباء،
والصوتَ الحنون حين صمتَ العالم،
واليدَ التي لا تُمسك بالسلطة، بل تُمسكُ بالقلوب لتقودها إلى برّ الأمان.
لك صلاةُ الأنبياء في مسعاك،
وبركةُ الأولياء في خطاك،
وسلامُ مَن أحبّوك، ما دامت في البقاعِ شمسٌ تشرقُ وعيونٌ تذكرُ الجميل.
سلامٌ عليك أيها الأستاذ محمد سعيّد،
يا غمامةَ الرحمة، ويا سنديانةَ الثبات، ويا زيتونةَ الوعي التي لا ينطفئُ زيتها.
بك نختمُ الحكاية،
ونُهديكَ وردةً من نورٍ وامتنان،
كأنها صلاةٌ من تلاميذك جميعًا:
جزاكَ اللهُ عنّا خيرَ من ربّى، وخيرَ من علَّم، وخيرَ من ما زال صوتهُ حاضرًا فينا، يوجّه ويُنير.

