أخبار محلية

لبنان يُدافِع عن نفسه

*⚠️⭕مقاومة إسرائيل في فكر ميشال شيحا: لبنان يُدافِع عن نفسه في فلسطين قضايا وآراء *كريم حداد يصعب فهم موقف ميشال شيحا من فلسطين إذا قُرِئ بمعزل عن الفكرة التي كرّس حياته السياسية والفكرية للدفاع عنها: لبنان.شيحا، هو أحد أبرز منظّري الكيانية اللبنانية، لم يصل إلى فلسطين عن طريق عقيدة قومية تريد إذابة لبنان في وحدة أوسع، ولم يعتبر أن خصوصية لبنان تفرض عليه الانكفاء عن صراعات محيطه. على العكس، قاده تمسّكه بالكيان اللبناني إلى استنتاج أن ما يجري في فلسطين يمسّ لبنان في صميم وجوده. ومن هنا يمكن فهم دعوته الصريحة إلى «المقاومة العربية»، وتحذيره المبكر من أن القضية لا تتعلق بفلسطين وحدها، بل بتوازن المشرق وباستقلال دوله وقدرتها على منع قيام هيمنة إقليمية جديدة.كان اعتراض شيحا على المشروع الصهيوني سابقاً لقيام إسرائيل. ففي مقالاته المكتوبة باللغة الفرنسية، والمنشورة في صحيفة «Le Jour» ، هاجم شيحا مشروع تقسيم فلسطين، ورأى في إقامة دولة على أساس قومي ـ ديني نقيضاً للنموذج الذي تصوّره للبنان، أي نموذج الجماعات المتعدّدة التي تتشارك دولة واحدة من دون أن تلغي إحداها الأخرى. وتذهب قراءة معاصرة لأرشيف الصحافة اللبنانية إلى أن معاداته السياسية للصهيونية احتلّت موقعاً مركزياً في تفكيره، لأنه رأى في الدولة ذات الهوية الدينية الحصرية نموذجاً يناقض لبنان التعدّدي والمفتوح. كما كتب عام 1945 عن نزع الفلسطينيين من أرضهم وما اعتبره إحلالاً مُنظّماً للسكان.لكن الأكثر دلالة هو أن شيحا لم يكتفِ بإدانة أخلاقية أو قانونية. بعد حرب 1948 انتقل في كتاباته إلى التفكير في كيفية مقاومة ميزان القوة الجديد. وفي نصوص استعادها لاحقاً ميشال إده من كتاب «فلسطين»، فيها نص لشيحا يقول فيه ان «المقاومة العربية ليست ضرورية فحسب؛ إنها حيوية». وكان يرى أن المسألة، على المدى الطويل، قضية حياة أو موت للمشرق الممتدّ إلى مصر. بهذا المعنى لم تكن المقاومة عنده تعبيراً عاطفياً عن التضامن، بل ضرورة سياسية تتصل بمنع تحوّل التفوّق الإسرائيلي إلى قدرة على إخضاع المحيط اقتصادياً وسياسياً.وهنا تتضح خصوصية شيحا. فهو لم يجعل «أولوية لبنان» مبرّراً للحياد حيال فلسطين، وإنما قلب المعادلة: لأن لبنان أولاً، لا يستطيع أن يكون غير معنيّ بفلسطين. فالخطر الذي كان يراه في المشروع الإسرائيلي لم يتوقف عند تغيير حدود فلسطين، بل في إمكان أن يُنتِج ميزان قوى إقليمياً يجعل الدول الصغيرة، وفي مقدّمها لبنان، أكثر تعرّضاً للضغط. ولهذا كتب بعد قيام إسرائيل محذّراً من التعامل معها كقوة محلية محدودة، معتبراً أنها تستند إلى إمكانات دولية واسعة ينبغي للعرب أن يفهموا حجمها قبل صياغة سياساتهم تجاهها.أيضاً كان لشيحا موقف لافت من تسليح لبنان. وكتب في تموز 1950 أن اللبنانيين، مهما كانوا مسالمين ومحدودي العدد والمساحة، مضطرون إلى التسلّح والبقاء في حالة يقظة. وهذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن كيانيته لم تكن قائمة على فكرة أن ضعف لبنان يوفّر له الحماية. الدولة الصغيرة، في منطقه، تحتاج إلى أسباب القوة بقدر حاجتها إلى الدبلوماسية والانفتاح. لذلك لا تبدو المقاومة في فكره تفويضاً دائماً لقوة مستقلة عن الدولة، بل هي جزءٌ من بناء قدرة الكيان نفسه على حماية استقلاله.لكنّ القوة العسكرية لم تكن عند شيحا إلا جانباً من المقاومة. فقد أعطى أهمية كبيرة للإعلام، ورأى أن العرب يخسرون جزءاً من معركتهم لأنهم لا يحسنون عرض قضيتهم في المجال الدولي. كما دعا إلى التضامن العربي، وإلى استخدام الدبلوماسية والقانون الدولي لحماية الحقوق، ودافع عن تدويل القدس لحماية المدينة والأماكن المُقدّسة. بهذا المعنى تبدو المقاومة لديه مُركّبة: قوة دفاعية، وإعلام، ودبلوماسية، وتضامن سياسي، ورفض لتحويل الأمر الواقع الناشئ بالقوة إلى حق دائم لا تجوز مراجعته.ولهذا اتّخذ موقفاً متشدّداً أيضاً من المفاوضات عندما تكون شروطها، في تقديره، بمثابة اعتراف مُسبق بنتائج القوة. ففي عام 1952 حذّر من تفاوض يؤدّي إلى تبرير الانتهاكات السابقة أو يفتح الباب لانتهاكات لاحقة، معتبراً أن السلام الذي يقوم على تنازل الطرف الأضعف عن حقوقه لا يمنع الحرب بالضرورة. لكنه، في الوقت نفسه، لم يحوّل المقاومة إلى مشروع لإلغاء الآخر. ففي كانون الأول 1952 كتب أنه يتعامل مع وجود إسرائيل بوصفه أمراً واقعاً وأن المسألة ليست «إلقاء الإسرائيليين في البحر»، ثم شدّد في عام 1953 على أن رفضه للصهيونية لا يجوز تحويله إلى معاداة لليهود.أهمية استعادة شيحا اليوم، ترتبط بواقع أن المقاومة في نصوصه، ليست مرادفاً للحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية، كما أنها ليست قبولاً بالأمر الواقع لمجرّد أنه أصبح واقعاً. إنها تقع بين الاثنين: الاعتراف بالوقائع من دون منح القوة حقاً مُطلقاً، والاستعداد للدفاع من دون تحويل الصراع إلى عداء ديني أو عرقي. ولذلك كان يستطيع أن يقرّ بوجود إسرائيل بعد عام 1948، وفي الوقت نفسه يعتبر أن مقاومة التوسّع والهيمنة، وحماية الحقوق الفلسطينية واللبنانية، ضرورتان مستمرتان.بهذا المعنى، فإن أكثر ما يكشفه كتاب «فلسطين» عن ميشال شيحا هو أن الكيانية اللبنانية عنده لم تكن انعزالاً عن فلسطين، بل كانت أحد أسباب الانخراط فيها. فلسطين بالنسبة إليه كانت الخط الأمامي لمسألة أوسع: هل يستطيع المشرق أن يحافظ على تعدّده واستقلال كياناته في مواجهة سياسة القوة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى