ما بين علي الطاهر وكربلاء إرثٌ لا ينتهي…
على تلك التلّة ، كبر شبابٌ وكانت عيونهم تتطلّع إلى كربلاء ؛ إلى الحسين الذي علّمهم أن الدين لا يُحفظ بالكلام ، وأن بعض المواقف لا يُدفع ثمنها إلا بالدم.
حفروا الأنفاق في جوف الأرض ، وكأنهم كانوا يكتبون بأيديهم سيرةً ستبقى بعدهم.
واليوم… قد تسقط تلّة ، وقد تتغيّر معالم المكان ، وقد تُردم أنفاقٌ حُفرت بعرق الرجال.
لكن كيف يُردم أثر من حفرها ؟
هؤلاء الشهداء لم يتركوا خلفهم صورًا وأسماءً فقط ؛ تركوا روحًا في المكان ، وبصمةً في الأجيال ، وعهدًا في القلوب.
بعض الذين حفروا تلك الأنفاق ما زالوا بيننا ، وبعضهم مضى إلى سيده الحسين…
وكأنّ الذين رحلوا لم يغادروا التلّة حقًا ؛ فما زالت خطواتهم في ترابها ، وأنفاسهم في أنفاقها ، وأحلامهم في عيون الذين بقوا.
هم لم يكونوا يبحثون عن الخلود لأنفسهم ، لكنهم تركوا شيئًا لا تستطيع الأيام أن تقتله : نهجًا.
ولهذا لا نخاف على النهج إن سقطت تلّة ، فالنهج الذي خرج من كربلاء لم يكن يومًا معلّقًا على حجر ، ولا مربوطًا بمكان.
قد تسقط الأرض التي وقف عليها الرجال ، لكن لا تسقط القضية التي وقفوا من أجلها.
علي الطاهر قد يسقط…
أما أثر الشهداء فلا يسقط.
والتلّة قد تُهدم…
أما ما حفره الحسين في وجدانهم ، فلا تستطيع الجرافات أن تقترب منه.
فبين علي الطاهر وكربلاء دمٌ واحد ، ووفاءٌ واحد ، وطريقٌ واحد…
طريقٌ قد يرحل رجاله ، لكن لا ينتهي إرثهم.
فالنهج باقٍ…
ما دام في هذه الأرض قلبٌ يعرف الحسين.
الشيخ حسن زيات
