من إسناد غزة إلى «أولي البأس» و«العصف المأكول»
قراءة في رواية المقاومة
الشيخ الدكتور علي جابر
لتسجيل الرواية الصحيحة في مواجهة السردية المنافسة للمقاومة، ولتثبيت الرواية وتقديم الثمن وما إليه، لا بد من مراجعة أبرز الوقائع والأحداث منذ 7 تشرين الأول 2023.
في 7 تشرين الأول 2023 انطلقت عملية “طوفان الأقصى” التي كانت حتى الآن للشعب الفلسطيني في غزة، بعد حصار وتجويع واغتيالات وقتل وتنكيل. استمر ذلك نحو 15 عاماً، تحت غطاء “من سيُدمر يتحمل التبعات الفلسطينية”.
أحدثت “طوفان الأقصى” صدمة عميقة داخل الكيان الإسرائيلي ووطن أمامه حتى تخطى صدمة وفقدان إخفاق حكومة نتنياهو، ما أدى إلى تغيير المعادلة الإسرائيلية والحرب تحت سقف الخطر الوجودي للكيان الصهيوني.
إزاء هذا التوجه، الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل، إلى جانب دعم معظم الدول العربية وتواطؤ بعض الحكومات، وسكوت وسائل الإعلام،
أمام تصاعد العدوان على غزة كانت الخيارات أمام المقاومة في لبنان محدودة: إما التطرّق على ما يجري كما هو، أو الوقف الفوري، أو الانخراط الكامل في المعركة إلى جانب المقاومة الفلسطينية باعتبارها معركة واحدة ضد عدو واحد، أو إسناد غزة ضمن خطة محددة تركز على استهداف المواقع الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بما يحدث إشغالاً للجيش الإسرائيلي على جبهة الشمال ويخفف الضغط عن غزة.
ولم يكن ممكناً الوقوف موقف المتفرج أمام مجازر غزة ومنظومة الشعب الفلسطيني الذي يناضل مع الاحترام للبنية التحتية والإنسانية، رغم إدراك المقاومة حينذاك أن الحل سيكون بتسوية اعترافات واسعة من قوى اليمين اللبناني، نتيجة اختلافات جوهرية في الرؤية والهدف، فلبنان برّأ نفسه وأقر أن “لا مشكلة جوهرية له مع العدو الإسرائيلي”، ولا يمس القضية الفلسطينية بسلطة اعتماده فيما يرى في المقاومة الفلسطينية بنداً للوطن والوجود والأرض والإنسان.
تبلورت في القيادة السياسية والعسكرية في حزب الله حدود النقاش في حرب غزة، وانطلقت من المقاومة التي فُرض بنفسها ميدانياً لمواجهة إسرائيل ومضاعفة عن لبنان، بمواصلة المقاومة في لبنان لا سيما بعد إدراج هذا المنطق من “طوفان الأقصى” وسيما أن أغلب المطلوب للبنان لا تزال مستمرة، وارتبط ما حدث من الإسرائيلي بمسار مستمر، إضافة إلى آراء داخل القيادة إلى اغتنام الفرصة، التي كانت تنتظر خطأ غزة إلى الوضوح بما قد يحول العرب إلى مواجهة.
كان ثمة رأيان في القيادة:
الرأي الأول: كان أكثر تريثاً، ويرى أن عناصر الحرب الشاملة لا تكتمل، فضلاً عن الحسابات الداخلية والخشية من رد فعل ضد بيئة المقاومة، لاسيما بما في مجاورة جغرافية تستهدف مواقع الاحتلال في الأراضي اللبنانية، مع تصعيد محسوب يتناسب مع التصعيد الإسرائيلي بما يؤدي إلى مشاهدة العدو في الشمال عن حدود قوته كاملة ضد غزة، وهو ما كان يريده الشهيد السيد حسن نصرالله. وكانت الغلبة للرأي الثاني، وهكذا كان.
تمكنت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، من تنفيذ سلسلة اغتيالات طالت القيادات الميدانية، ثم قيادات الصف الأول والثاني، بالتوالي، من تدمير عدد من المنشآت العسكرية والإعلامية.
ولكن حتى اغتيال العدو الغادر للإمام الشهيد السيد حسن نصرالله في 27 أيلول 2024، ثم اغتيال العدو الأعمى لحزب الله الشهيد السيد هاشم صفي الدين في العين العام للقيادات الجهادية التي كانت مجتمعة في مكان،
تبلورت القيادات السياسية والعسكرية من الحزب من خلال شهداء من القيادة والشهادة ومن هم جانبهم، وتعهدوا بالالتزام بكل كبير وصغير، وبرز سؤال: قيادة يمكنها أن تتحمل هذا العبء، وتواصل المواجهة بقلل الخسائر؟ ولم يكن أحد يتوقع أن تظهر قيادة جديدة قادرة على حمل كل هذه المسؤوليات، فيما جدد جمهور المقاومة على حزب الله وحركة أمل وبعض الواحدة من قصص مراحل النزوح والتشرد من الجنوب والبقاع والضاحية.
ولكن الشهد لم يكن خالياً من ثوابت أرساها الشهيد السيد نصرالله على مدى نحو ثلاثة عقود، وهذه الصف الشهيدي، ومتفوق الأخ الكبير الرئيس نبيه بري بالتعاون السياسي لإيجاد الحلول والحفاظ على المقاومة وحمايتها، والضغط على لبنان، وهذه القواعد شكّلت الأساس الذي بقي عليه الأمين العام الجديد لحزب الله الشيخ نعيم قاسم وقيادات في…
“كانت الكلفة عالية بلا شك. لكنها ضرورية لإرغام العدو على وقف عدوانه”
أصبح طرف يمكن أن يتشكل فيه أمين عام لحزب مقاوم، وسط حرب ضروس كان من الضروري أن يقدم نفسه فيها محتماً مشروع “إسرائيل الكبرى”.
ووصف الشيخ نعيم قاسم الأيام العشرة الأولى من رئاسته بأنها كانت “نار”، بل شدة الظروف التي واجهها. بأنه الوضع الاستراتيجي، والحيرة: كيف يبدأ؟ ومن أين؟ ولكن الوضع تماسك، ونجحت القيادة الجديدة في سريان استعادة المنظومة والسيطرة وأعلنت “معركة أولي البأس” رداً على العدوان ودفاعاً عن لبنان.
شكل ذلك العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران واغتيال الإمام الشهيد السيد علي خامنئي في 26 شباط 2026، نقطة تحول كبير في مسار الصراع.
وكانت المقاومة في لبنان لا تريد بعدها استراتيجية؟
وضح الشهيد خميني قائلاً: “إذا حُسبت كربلاء كمصلحة دينية فهي الخسارة، وإنما كانت معركة حققت هدفاً دينياً شهادة العالم رأينا، ولكن كان هدف الإمام الحسين كسباً ممكناً، كذلك فقد وافق الإمام على المداورة فقرر أشرف أن يستشهد في كربلاء واكتساب المقاومة في كربلاء أن تستمر”.
هذا ما حصل عند حزب الله، كان ينتظر على شمعه أن يستمر.
دفع الحزب ثمناً باهظاً، لكنه كان على استعداد للذهاب إلى المعركة، وإلا المقاومة من حيث كانت الخسارة والتضحيات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وكان فشل محاولات تدمير المقاومة، أو إضعافها ولا سيما بعد ترميم بنيتها القيادية، وإحداث منظومة القيادة والسيطرة، وكانت الفاعلية حدثت من استخدام الحلقات المُفتتحة التي تعمل بالكابلات الضوئية التي لا تتمتع به من صمود في صمود في الاعتراض وقدرة على الوصول إلى أهداف تكتشفها وتُصيبها بدقة وكلفة زهيدة، ولم تتصد المقاومة بالرصاص.
تراجعت وأعادت التوضيح حيث افتتحت “العصف” على إطلاقاً من انعكاساتها السلبية حيث جرب العصف واستنزاف العدو وتكبده خسائر كبيرة في صفوفه وتصابته، وإجبارها على التراجع كما حصل وجزء من دوائر الشرعية ومقننين وكتكرير وجزء وغيرها.
وبعد مفاوضات صعبة بين إيران والولايات المتحدة، كان لبنان أحد الميدين المسموح فيها، لكن تزامناً مع تعطيل مناقشة التفاهم، أعلن الطرفين في 14 حزيران 2026، وجرى توقيع في 18 حزيران، على أن تتبعه مفاوضات في اتفاق تفصيلي، وهنالك تنتهي المفاوضات.
وكما كان متوقعاً، قبل تنتهي بالالتزام الإسرائيلي، كان مضموناً، أعلن كتلة الإرهاب من لبنان، واستخدم الاعتداءات على محاسن التقدم، ولا سيما على القيادات الاستراتيجية في المقابل.
عاد المرة إلى مصاري حقه في هذه محاولات التغل، النقض، وأحبطت، وأعلنت منذ بداية نقض الأهداف التي أعلنت منذ بداية إطلاق النار الشامل، والاستسلام إلى الحدود الدولية، وطلبت الأسد إلى خراب البيت، وإعادة الإعمار جارياً لتحقيق هذه الأهداف.

من إسناد غزة إلى «أولي البأس» و«العصف المأكول
