حين تُستهدف التضحيات ويغيب الصوت أمام التهديد

بين التخوين والصمت: حين تُستهدف التضحيات ويغيب الصوت أمام التهديد عندما يضحّي المناضلون، بحسب إيمانهم، من أجل عالمٍ مثالي، ويقدّمون التضحيات وهم يعتقدون أنهم يمهّدون الطريق نحو مستقبل أفضل، فإنهم لا يتوقّعون بالضرورة أن يكون الطريق سهلًا أو خاليًا من الأخطاء. لكن المأساة تبدأ عندما يتحوّل الحلم الذي ضحّوا من أجله إلى ساحة للتخوين والاتهامات، وعندما يصبح تحميلهم المسؤولية أسهل من مواجهة الحقائق ومناقشة المخاطر التي تهدّد الوطن.في لبنان، نرى مشهدًا يثير الكثير من التساؤلات؛ فبينما تتكاثر الأصوات التي تنتقد المناضلين وتحاكم خياراتهم وتحمّلهم مسؤولية ما يجري، نسمع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تتضمّن تهديدات مباشرة، من بينها القول إن الوصول إلى صور لا يحتاج إلا إلى نصف ساعة.وهنا يبرز السؤال: أين تذهب كل تلك الأصوات التي لا تتردّد في توجيه الاتهامات؟ ولماذا ترتفع نبرة الانتقاد في وجه من يؤمنون بقضية، بينما يخفت الصوت أمام التهديدات الإسرائيلية التي تطال لبنان وأهله؟إنّ الاختلاف في الرأي حقّ مشروع، ومناقشة الخيارات السياسية والعسكرية أمر لا يمكن الاستغناء عنه. لكن هناك فرقًا بين النقد الذي ينطلق من الحرص على الوطن، وبين خطابٍ لا يرى في المشهد إلا فرصة لتصفية الحسابات وتوجيه الاتهامات، فيما يتراجع الاهتمام بالتهديدات التي تواجه الناس وأرضهم.فأيّ وطن نريد إذا أصبح التخوين لغتنا المشتركة، وإذا بات بعضنا يرى في خصمه الداخلي خطرًا أكبر من التهديدات التي تستهدف البلاد؟ وأيّ موقف وطني هذا الذي ينتقي معاركه، فيرفع صوته على أبناء وطنه، ثم يصمت حين يصبح الكلام عن التهديد الخارجي أكثر إلحاحًا؟إن الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية النضال آمنوا بقضية، وانطلقوا من قناعة بأن هناك ما يستحق الدفاع عنه والتضحية من أجله. وقد يختلف الناس معهم في تقدير المواقف والنتائج، لكن الاختلاف لا يبرّر إلغاء تضحياتهم أو التشكيك في كل منطلقاتهم، كما أن الإيمان بالقضية لا يعفي أي طرف من مراجعة خياراته وتحمل مسؤولية قراراته.فالقضايا لا تُقاس بحجم الضجيج الذي يحيط بها، ولا تُحسم حقيقتها بكثرة الاتهامات الموجّهة إلى أصحابها. إنما تُناقش بالمواقف والوقائع والنتائج، وبمدى ارتباطها بكرامة الإنسان وحقّه في العيش بأمان.ومهما اشتدّت حملات التخوين، ومهما تكاثرت الأصوات التي تسعى إلى التشكيك في النوايا، فإن الإيمان الحقيقي لا يُمحى بسهولة، ولا تتبدّد القناعات لمجرّد أن أصحابها أصبحوا هدفًا للهجوم. لكن قوة الإيمان لا تعني رفض النقد، بل تعني التمسّك بالمبادئ مع امتلاك الشجاعة لمراجعة الأخطاء.فالموقف الوطني لا يُقاس بمدى قسوتنا على أبناء وطننا، بل بقدرتنا على مواجهة التهديدات والدفاع عن كرامة الإنسان وحقّه في الحياة.أما أولئك الذين يختارون التخوين لغةً، والصمت موقفًا، فعليهم أن يسألوا أنفسهم: هل نختلف فعلًا من أجل مصلحة لبنان، أم أننا أصبحنا أسرى خصوماتنا إلى حدّ أننا لم نعد نرى الخطر إلا عندما يناسب حساباتنا؟سيبقى الإيمان بالقضية راسخًا في نفوس من اختاروا النضال عن قناعة، وستبقى التضحيات جزءًا من تاريخ هذا البلد. لكن لبنان يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يتجاوز أبناؤه منطق التخوين والانتقائية، وأن يجعلوا كرامة الوطن وسلامة أهله معيارًا لكل موقف.فحين تصبح التهديدات الخارجية واقعًا يواجهه الناس، لا يعود الصمت مجرّد غياب للكلام؛ بل يصبح موقفًا يستحق المساءلة. عماد برو
