لم تعد صياغة النص سهلة عليّ.
بالعجز عن إيجاد كلمات تعبر بصدقٍ عمّا يدور في خلدي. تؤلمني فكرة أن أرثي شبانًا وصلوا إلى ما رنوا إليه منذ نعومة أظفارهم. تختلط المشاعر في صدري. لديّ يقين بأنهم ارتقوا إلى الملكوت الأعلى، حيث لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر، ولكن فكرة أن تثكل أمٌ بولدها، أن ييتّم أطفال قبل أن يبصروا آباءهم أحيانًا، أن تترمّل نساء في ريعان الصبا وتحمل على كواهلهن مهمة التربية والاحتضان، أن يفقد الأخ عضده، والأخت سندها، والأب فلذة كبده، كلّ تلك المشاهد تلقي بثقلها على فؤادي، تجعل اللغة أعجز من أن تصف كل القهر ببضع كلمات.
هنيئًا لمن عرج إلى جنان الخلد وترك خلفه أفئدة تتلظى ألمًا لفراقه..
الشهيد المجاهد الدكتور محمد حسين البزال، واحد من كثيرين، مروا من بيننا كشعاع من نور، خفافًا، متواضعين.
لم تكن شهادته حادثاً مفاجئاً، بل هي خاتمة لحياة كاملة. لم يُصنع الشهيد محمد في ساحة المعركة، بل في يومياته.
هو الابن البار لوالديه، والجار الطيب، والأخ الحاني، والأب العطوف والزوج الرؤوف. أذكره مازحًا في اجتماعات الأصدقاء، خدومًا أينما حلّ، متطوعًا حين يناديه الواجب.
صاحب البسمة والروح المرحة، والكلمة الطيبة. طالب العلم المتفوق في عدة اختصاصات جامعية. المبدع في ميادين عمله. صاحب صدقة السر والجهاد الأكبر، صديق الشهداء وخليلهم.
لا أخال أن الشهيد محمد كان انسانًا عاديًا، بل كان شهيدًا يتدرج نحو العلياء. مجاهدًا في عمله وطلب العلم حتى آخر لحظات عمره. اتخذ من المعرفة سلاحه الأول ثمّ باع لله جمجمته وخلّف وراءه شهاداته العليا لينال الوسام الأرفع والأسمى وهو الشهادة في سبيل الله، هناك، في ساحات الوغى، بين لهيب النيران وأزيز الرصاص.
وصل خبر شهادته إلى البلدة مدويًّا مؤلمًا صاعقًا، ربما لأننا كنا نتفاخر بنجاحه وتفوقه منذ أشهر قليلة مضت.
كلّ من لم يعرف الشهيد في حياته، تكشّفت له الحقيقة جلية في يوم تشييعه المبارك، على لسان أهله وأقاربه وأحبائه، وزملائه في العمل، وعلى لسان ابنته مريم، التي ودعته برسالة تدمع لها المآقي، بغصة اليتم وحسرة الفقدان.
هل يحصد الشهيد ما زرعه فقط!؟ بل إنّ الحقيقة الكاملة تكمن في أنّنا سنحصد ما نزرع، ومايزرعه الآخرون من حولنا. وبحمد الله شبان بلدتنا بيضوا وجوهنا ورفعوا رؤوسنا في حياتهم وشهادتهم.
طيب سيرتهم يجعلنا نتفاخر بهم بين الأنام، ترتد نتائجها عليهم وعلى أهلهم، وعلى آخرين لم يشاركوا في صنعها.
هنيئًا لشهدائنا ذلك الفوز العظيم، هنيئًا لهم ارتقاءهم ببسالة وشجاعة في الخطوط الأمامية للمعركة. هنيئا لهم كرّارين غير فرّارين، مقبلين غير مدبرين.
هنيئًا لبلدتي بما أنجبت، وخرجت إلى العالم أجيالًا ترفع لها الهامات والرؤوس.
الى روح الشهيد الدكتور محمد حسين البزال رحم الله من أهداه الفاتحة.💔



