أخبار محلية

الأمة في مهب السنن بين الاستضعاف ووعد العزة الإلهي.

الكاتبة: عفاف فيصل صالح

يا أمةً أكرمها الله بالوحي، ورفعها بالرسالة، وجعلها شاهدةً على الأمم
كيف صار حالها اليوم بين مطامع الخارج، وتنازع الداخل، وغفلة الوعي، حتى أصبحت ثرواتها تُستنزف، ومواقعها تُستباح، وقرارها يُدار من خارج حدودها؟

ما يجري في عالمنا ليس صدفة سياسية بل هو تطبيق دقيق لسنن الله في الأمم؛ حين تضعف القلوب، وتتنازع الصفوف، وتُترك الأمة فريسةً للفرقة والتبعية.

قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
هذه ليست آية تُتلى فقط بل قانون سقوط لا يُجامل أمةً ولا يستثني دولة.

أخطر ما يُصيب الأمم ليس العدو الخارجي بل القابلية الداخلية للاختراق حين تُزرع الفتن باسم الدين، والطائفية، والسياسة فتتفرق حتى تتحول الأمة الواحدة إلى ساحات صراع تُستنزف فيها الطاقات بينما العدو الحقيقي يراقب المشهد ويعيد ترتيب مصالحه بهدوء.

ويقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
الركون ليس مجرد تعاون، بل هو حالة تبعية تجعل القرار مرهونًا بغير إرادة الأمة، وتحوّل السيادة إلى شكلٍ بلا مضمون.

و تتجلى مشاريع الهيمنة الحديثة التي لا تأتي دائمًا بجيوش الاحتلال المباشر، بل عبر النفوذ السياسي، والقواعد العسكرية، والاقتصاد المشروط، وصناعة الخوف، وإعادة تشكيل أولويات الدول بحيث تُدار من خارجها وهي تظن أنها مستقلة.

قال تعالى محذرًا من طبيعة هذا المسار
﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
والمعنى السنن التاريخيةأن قوى الاستكبار لا تقبل استقلال القرار للأمم الضعيفة، بل تسعى لفرض النموذج والاتجاه الذي يضمن مصالحها أولًا.

لكن القرآن لا يترك الأمة في دائرة الاستضعاف، بل يضع لها طريق الخروج:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
أي أن بداية التحرر ليست في الخارج، بل في الداخل في الوعي، في البصيرة بالرجوع الى الله والثقة بوعده والخوف من وعيده دون غيره ،في الإرادة، في كسر الخوف المصنوع، وفي إعادة بناء القرار المستقل.

الواقع اليوم يكشف بوضوح أن أخطر أدوات السيطرة ليست الاحتلال العسكري فقط، بل تحويل بعض الأنظمة إلى حوائط صدّ لحماية مصالح القوى الكبرى، مقابل بقاءها في الحكم، بينما تُستنزف ثروات الشعوب، وتُستباح الجغرافيا الاستراتيجية، وتُعاد صياغة الأولويات بما يخدم مراكز النفوذ العالمي.

لكن الله تعالى يقول:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
وهذا أمرٌ بالوعي الاستراتيجي، وبناء القوة الشاملة، وعدم ترك الأمة رهينة للخوف أو الارتهان أو التفكك.

ويقول أيضًا:-
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
فالوحدة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي شرط البقاء، وسر السيادة، ومفتاح الخروج من دائرة الاستضعاف.

ما يسمى اليوم “نظامًا عالميًا” ليس إلا موازين قوة، تُدار فيها الدول وفق المصالح لا القيم، وتُعاد فيها صياغة الخريطة السياسية بما يضمن استمرار الهيمنة، ما لم تنهض الأمة بوعيها، وتكسر حلقة التبعية، وتستعيد قرارها المستقل.

يا أمة القرآن…
سنن الله لا تُبدل، ولا تُجامل أحدًا.
فإما وعيٌ ينهض بالأمة، أو فرقةٌ تُسقطها في دائرة الاستنزاف التاريخي.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
فالعزة ليست حلم
بل وعدٌ إلهي لمن فهم السنن، وأخذ بالأسباب، ووحّد الصف، واستعاد قراره من بين أنياب التبعية والخوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى