حسابات الحرب ولعبة الوقت

حسابات الحرب ولعبة الوقت
جوني منيّر
الإثنين, 29-أيلول-2025
يزور رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو البيت الأبيض، حيث يجتمع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرّة الرابعة خلال الأشهر الثمانية الأولى من بدء الولاية الثانية لترامب. فالزيارة الأولى كانت في الثالث من شباط، وكانت أول زيارة لمسؤول أجنبي بعد عودة ترامب العاصفة إلى المكتب البيضاوي. وسيتّوج الرئيس الأميركي لقاءه الرابع بنتنياهو بإعلانه إنهاء حرب غزة وفق مشروعه الذي يتضمن 21 بنداً.
ترامب ووفق أسلوبه الذي تميّز به، باشر التمهيد لنجاح مبادرته عبر الدعوة للإستعداد «لحدث إستثنائي في الشرق الأوسط». وتابع قوله بأنّه وللمرّة الأولى هنالك فرصة حقيقية لتحقيق إنجازات، وصفها بأنّها «عظيمة». ووفق التسريبات، فإنّ خطة ترامب شارك في هندستها كل من صهره الموفد السابق إلى الشرق الأوسط جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير. وتلحظ في بعض جوانبها، تدمير كل الأسلحة الهجومية لحركة «حماس»، وتشكيل إدارة فلسطينية للقطاع مؤلفة من تكنوقراط مع لحظ دور للسلطة الفلسطينية، ونشر قوات دولية على حدود قطاع غزة. وبتعبير آخر، فإنّ هذه الخطة تكرّس خروجاً نهائياً لإيران من غزة، وبالتالي من الساحة الفلسطينية، مع التزام السلطة بتعاون أمني كامل في الضفة تحت هذا العنوان، مقابل التزام إسرائيل بعدم اجتياحها. وفي حال سلكت الأمور المسار المرسوم لها، فإنّ البدء بتطبيق الإتفاق، وبالتالي إعلان وقف الحرب، سيحصلان في غضون أسبوع على أبعد تقدير.
وهذه الأجواء التفاؤلية كانت بدأت بالظهور خلال الأسبوعين المنصرمين. ووفق ذلك ساد التفاؤل أعضاء المجموعة العربية والإسلامية بعد لقائها بترامب في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ووفق هذه الحسابات، إضافة إلى التوجس الذي ساد العواصم الخليجية إثر استهداف الدوحة، ما دفع السعودية إلى الإعلان عن معاهدة أمنية مع باكستان، ارتفع منسوب التفاؤل بأنّ صفحة الحرب التي أشعلت ساحات المنطقة طوال العامين الماضيين، قد تمّ طيّها نهائياً. وليس مستبعداً أن يكون هذا الجو التفاؤلي قد لفح طهران نفسها، وهو ما سمح لها باستعادة سياسة إعلامية هجومية، وهو ما ظهر أيضاً عبر حليفيها: الحوثي في اليمن، و«حزب الله» في لبنان. إلّا أنّه وبشيء من التدقيق، تبدو مختلفة. فصحيح أنّ معاودة استهداف إيران عسكرياً أصبحت بعيدة نوعاً ما، لكن هذا لا ينطبق بالضرورة على ساحات نفوذها في المنطقة. لا بل على العكس، فإنّ إقفال حرب غزة سيمنح الفرصة لتل أبيب وواشنطن لاستكمال مشروع لإخراج النفوذ الإيراني من لبنان، وهو ما تعنيه فعلياً «فلسفة» مشروع ترامب في غزة. فالموافقة على تدمير السلاح الهجومي لحركة «حماس» وإنهاء سيطرتها العسكرية وحتى السياسية على القطاع، يعنيان ضمناً تعميمها على الجبهة الرديفة، والمقصود هنا لبنان. وربما لذلك أكثر الموفد الرئاسي الأميركي توم برّاك من تصريحاته حول «الخط الأحمر» الأميركي، أي نزع سلاح «حزب الله»، ومرفقاً ذلك بتحذيرات مبطنة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة عودة العقوبات القاسية على إيران كخطوة رادعة، خصوصاً أنّها تهدّد بدفع الإقتصاد الإيراني نحو الإنهيار. فطهران باتت تواجه احتمال «صفر صادرات نفطية»، وهو ما سيؤثر على الصين أيضاً.
قبل ذلك حصلت مفاوضات إسرائيلية ـ سورية سرّية ومكثفة للتوصل إلى اتفاقات أمنية. وقيل إنّ الإعلان عن التوصل إلى هذه التفاهمات تُعَرقل بسبب الممر «الإنساني» في اتجاه السويداء الذي تطالب به إسرائيل. لكن ثمة تسريبات حول تفاهمات حصلت حول كثير من البنود، منها ترك ممر جوي عبر سوريا إلى إيران، ما يسمح مستقبلاً بحصول هجمات جوية إسرائيلية، إضافة إلى نقاط أمنية استراتيجية إسرائيلية على قمم جبل الشيخ. ولم تكن مجرد مصادفة أن يعلن الرئيس السوري احمد الشرع خلال وجوده في نيويورك عن عدوين اثنين: إيران و«حزب الله». وهو ما يعطي إشارة حول خلفيات بعض بنود الإتفاق الأمني وأهدافه.
وخلال الأسبوع الفائت أرسلت إيران رسائل عدة عبر صندوق البريد اللبناني: الأولى كانت من خلال الإحتفال بإضاءة صخرة الروشة، ومفادها أنّها لا تزال في بيروت، وأنّها لن تخرج منها. والثانية كانت مع زيارة أمين…
*