الحاج أكرم طليس… رجلٌ من زمن الإمام، وذاكرةٌ ثقافية وسياسية في بعلبك الهرمل
يُعدّ المرحوم الحاج أكرم طليس واحدًا من الوجوه التي تركت حضورًا مميزًا في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في بعلبك الهرمل، ومن الرجال الذين جمعوا بين الفكر والعمل التنظيمي والسياسي والثقافي، فكان حاضرًا في مرحلة تأسيسية من تاريخ المنطقة، حين بدأ العمل الثقافي يتحول إلى مساحة أساسية لصناعة الوعي وبناء الإنسان.
كان طليس من الروّاد والمؤسسين للعمل الثقافي في بعلبك الهرمل، وأسهم مع مجموعة من المثقفين والناشطين في ترسيخ الحياة الثقافية في المنطقة، في زمن لم تكن فيه المؤسسات والمنتديات الثقافية قد أخذت بعدُ موقعها الذي تستحقه. وقد ظهر اسمه ضمن الهيئات والشخصيات الثقافية والتربوية في بعلبك، ومنها الفعاليات الثقافية التي شهدتها المدينة في كل مراحلها.
لكن أكرم طليس لم يكن مثقفًا بعيدًا عن السياسة، ولا سياسيًا بعيدًا عن الثقافة؛ بل كان يرى في الثقافة امتدادًا طبيعيًا للعمل العام، وفي الوعي شرطًا لحماية المجتمع والدفاع عن قضاياه.
وكان من الكوادر البارزة في حركة أمل، وتدرّج في العمل التنظيمي والسياسي، وصولًا إلى عضوية المكتب السياسي للحركة. وتوثّق أرشيفات صحافية تعيينه عضوًا في المكتب السياسي لحركة أمل عام 2004، كما أشارت إلى تولّيه مسؤوليات تنظيمية في بعلبك، وإلى دوره في الإشراف على مدينة الإمام موسى الصدر.
ولم يكن ارتباطه بحركة أمل ارتباطًا تنظيميًا عابرًا؛ فقد ارتبط مشروعه الفكري والسياسي بالتجربة التي أطلقها الإمام السيد موسى الصدر، وبالتحولات الكبرى التي شهدتها الطائفة الشيعية ولبنان والمنطقة.
ومن هنا جاءت تجربته البحثية والتوثيقية في كتابه «عصر الإمام: الإمام موسى الصدر والمسألة الشيعية في لبنان، إشكالية الظاهرة والدور»، الصادر عام 2016 عن دار المحجة البيضاء. والكتاب ليس مجرد دراسة عن الإمام الصدر، بل محاولة لإعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ لبنان، من خلال تجربة عاشها المؤلف وواكبها عن قرب.
وتكمن أهمية الكتاب في أن طليس لم يكتب عن تلك المرحلة من موقع الباحث البعيد، بل جمع بين المعايشة المباشرة، والعمل السياسي، والبحث، والصحافة والاستقصاء، وأجرى مقابلات مع شخصيات سياسية ودينية وثقافية وناشطين في حركة أمل، مستندًا إلى روايات ووثائق وشهادات من مصادر مباشرة.
ولهذا يمكن النظر إلى «عصر الإمام» باعتباره جزءًا من ذاكرة أكرم طليس نفسه؛ فهو في جانب منه شهادة رجل عاش مرحلة الإمام الصدر وما تلاها، وانخرط في مساراتها السياسية والتنظيمية والثقافية.
وقد امتد اهتمامه إلى قضايا المقاومة وحركة أمل وتاريخ العمل الشيعي السياسي في لبنان، وتظهر شهاداته أيضًا في الدراسات التي تناولت نشأة العمل المقاوم وتجربة حركة أمل.
إن الحديث عن أكرم طليس، لذلك، لا يختصر في كونه مؤلف كتاب «عصر الإمام»، ولا في كونه عضوًا سابقًا في المكتب السياسي لحركة أمل؛ فالرجل كان جزءًا من مرحلة كاملة: مرحلة كان فيها العمل الثقافي فعلًا من أفعال المقاومة على الحرمان والجهل والتهميش، وكان فيها الانتماء السياسي مرتبطًا بمشروع اجتماعي وثقافي وإنساني أوسع.
وفي بعلبك الهرمل، حيث عرفته الأجيال الثقافية والسياسية، بقي اسمه مرتبطًا بمرحلة تأسيسية من العمل الثقافي، وبحضورٍ حركي وسياسي ترك بصمته في المنطقة.
رحل أكرم طليس، لكن ما كتبه وما عاشه وما أسهم في تأسيسه بقي شاهدًا عليه. ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في رجلٍ من هذا النوع أن الرحيل أنهى حضوره الجسدي، لكنه لم يُنهِ دوره في الذاكرة؛ فالأشخاص الذين يشاركون في صناعة الوعي والتاريخ لا يغيبون بالكامل، لأن آثارهم تبقى في الكتب، وفي المؤسسات، وفي ذاكرة الناس.
