أخبار محلية

السلام ليس وصفة جاهزة للأمن

السلام ليس وصفة جاهزة للأمن يكثر الحديث في وسائل الإعلام العالمية والعربية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عن أن السلام والمصالحة مع إسرائيل هما الطريق إلى الأمن والاستقرار في هذه المنطقة. ومع تكرار هذه الرسالة، يجري تقديمها أحيانًا وكأنها حقيقة محسومة، وكأن البديل عن المصالحة هو استمرار الحرب والفوضى.أنا لا أوافق على هذه المعادلة.فالسلام، أي سلام، لا يصبح طريقًا إلى الأمن لمجرد أن اسمه «سلام». الأمن الحقيقي يحتاج إلى عدالة وحقوق وضمانات، وإلى معالجة أسباب الصراع، لا إلى تجاوزها أو مطالبة طرف واحد بنسيانها.وفي حالتنا، لا يمكن مناقشة أي مصالحة مع إسرائيل بمعزل عن تاريخ الصراع، وعن السياسات الإسرائيلية وممارساتها ومشاريعها في المنطقة. لذلك فإن القول إن المصالحة وحدها كفيلة بجلب الأمن والاستقرار هو تبسيط لقضية معقدة، وقد يكون في بعض الأحيان وسيلة لتغيير طريقة نظر الناس إلى الصراع بدل معالجة أسبابه.الأخطر أن هذه الرسالة لا تصل إلى الناس عبر البيانات السياسية فقط، بل عبر سيل متواصل من المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما تتكرر الفكرة نفسها يومًا بعد يوم، ومن حسابات ومنصات متعددة، تصبح مألوفة في العقل، ثم تبدأ في الظهور وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.وهنا يجب أن نكون أكثر يقظة.ليس من الصحيح أن نتهم كل من يدعو إلى السلام بأنه يعمل لحساب إسرائيل، كما لا يجوز الادعاء بأن كل حملة إلكترونية تقف خلفها أجهزة استخباراتية من دون دليل. لكن من السذاجة أيضًا أن نتعامل مع الفضاء الإلكتروني باعتباره ساحة محايدة تمامًا. التأثير في الرأي العام أصبح جزءًا أساسيًا من الصراعات الحديثة، ولذلك يجب أن نفحص الرسائل التي تصل إلينا، ومصادرها، والجهات التي تروّج لها، والأهداف التي تخدمها.السؤال ليس: هل وصلت إلينا الرسالة؟السؤال هو: لماذا وصلت إلينا بهذه الكثافة، ومن يريد منا أن نصدقها؟وهنا أرى أن المدافعين عن القضية يتحملون مسؤولية كبيرة. فإذا كانوا قد فشلوا في شرح قضيتهم، أو استخدموا خطابًا تقليديًا لم يعد قادرًا على الوصول إلى الأجيال الجديدة، فالحل ليس التخلي عن القضية.إذا فشل المدافعون، فلنغيّر المدافعين، لا القضية.علينا أن نغيّر أدواتنا، وأن نطور خطابنا، وأن نخاطب الناس بالحجة والوثيقة، لا بالشعارات وحدها. علينا أن نكون قادرين على الإجابة عن الأسئلة الصعبة بدل الهروب منها، وأن نواجه الرواية المقابلة بالأدلة، لا بمجرد الغضب والانفعال.أنا لا أؤمن بأن المصالحة مع إسرائيل، بصورتها التي تُطرح، يمكن أن تكون وحدها مفتاح أمن المنطقة. وأرفض أن تتحول كثرة تكرار هذه الفكرة إلى بديل عن النقاش في جذور الصراع وحقوق الشعوب ومستقبل المنطقة.لكن رفض هذه الفكرة لا يعني رفض التفكير، بل يعني العكس تمامًا: أن نفكر أكثر، ونبحث أكثر، وندقق أكثر.فالقضية التي نعتبرها قضية وجود لا يمكن أن نحميها بالانفعال وحده. نحميها بالوعي، وبالمعرفة، وبالقدرة على كشف الدعاية، وبخطاب قادر على إقناع من لم يقتنع بعد.المعركة اليوم ليست فقط على الأرض؛ إنها أيضًا معركة على عقل الإنسان. ومن يخسر وعيه، قد يخسر قضيته قبل أن يدرك ذلك.

بقلم عماد برو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى