الفوعاني: الكرامة لا تُستأذن من المحتل، والسيادة لا تُستجدى على طاولات التفاوض، والأرض لا تستعاد بالبيانات.
رأى رئيس الهيئة التنفيذية لحركة أمل مصطفى الفوعاني، خلال ندوة فكرية بعنوان «الأسوة الحسنة من الرسول الأكرم إلى الإمام الصدر»، أُقيمت ضمن فعاليات شهر الإمام الصدر وذكرى ولادة الرسول الأكرم محمد (ص)،في مدينة الهرمل بحضور فعاليات بلدية واختيارية واعلامية وتربوية أن الأسوة الحسنة ليست عنواناً يُستعاد في المناسبات، بل ميزانٌ تُقاس به المواقف، وأن الرسالة المحمدية التي جعلت الإنسان مسؤولاً عن الإنسان، والحق مسؤولية لا خياراً، ما زالت قادرة على أن تكون بوصلةً في زمن تختلط فيه الحقائق وتُستبدل فيه المبادئ بالمصالح.
وقال إن الإمام السيد موسى الصدر، في تجربته اللبنانية والإنسانية، استلهم من جوهر هذه القيم مشروعاً جعل الإنسان قبل الطائفة، والوطن قبل الحسابات الضيقة، والشراكة بين اللبنانيين شرطاً لبقاء لبنان، مؤكداً أن الإمام الصدر لم ينظر إلى العيش المشترك باعتباره تسوية بين جماعات، بل باعتباره قراراً يومياً بأن يكون اختلاف اللبنانيين مصدر غنى لا مادةً للحروب.
وشدّد الفوعاني على أن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطب عن الوحدة، بل إلى من يحميها عندما تصبح مكلفة، وإلى من يدافع عن السلم الأهلي عندما يكون الاستثمار في الفتنة أسهل، مؤكداً أن العيش المشترك ليس ديكوراً دستورياً ولا مناسبةً للخطابات، وإنما هو أحد الشروط الوجودية للبنان، وسقوطه يعني سقوط فكرة الوطن لصالح جزرٍ معزولة وخنادق متقابلة.
وفي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، أكد الفوعاني أن الكرامة لا تُستأذن من المحتل، والسيادة لا تُستجدى على طاولات القوة، والأرض لا تستعاد بالبيانات، وقال: «حين يكون الاحتلال قائماً، تصبح المقاومة لغة الحرية. وبالمقاومة تُستعاد الكرامة، وبها تُحمى الأرض، وبها يعرف المعتدي أن لهذا الوطن شعباً لا يقبل أن يعيش على هامش سيادته».
وأضاف أن المقاومة ليست نقيضاً للدولة ولا خروجاً على الوطن، بل هي في لحظات الخطر تعبير عن حق الشعوب في حماية نفسها عندما يعتدي الاحتلال على أرضها وسيادتها، مؤكداً أن لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع العدوان الإسرائيلي بوصفه خبراً عابراً، لأن الاحتلال والاعتداء لا يصنعان سلاماً، بل يفرضان على الشعوب أن تختار بين الاستسلام والدفاع عن حقها.
وشدّد على أن التماسك مع المقاومة وبيئتها هو اليوم أحد وجوه التمسك بالحق الوطني، وأن حجم التضحيات، مهما غلت وكبرت، لن يكسر إرادة الناس ولن يفكك البيئة التي احتضنت المقاومة وحمت خيارها، بل إن التجارب أثبتت أن هذه البيئة تزداد صلابة كلما اشتد العدوان، وتزداد تمسكاً بحقها كلما حاول الآخرون محاصرتها أو إخافتها أو تحميلها مسؤولية ما يرتكبه الاحتلال من جرائم ودمار.
وقال إن كل الأقلام التي تكتب لإضعاف هذه البيئة، وكل الدراسات التي تُفصَّل لإقناع الناس بأن المقاومة عبءٌ على أهلها، وكل الحملات التي تراهن على التعب والتعبئة النفسية والضغط الاجتماعي، لن تستطيع أن تصنع قطيعة بين شعب عرف معنى الاحتلال وبين مقاومة اختارها طريقاً للدفاع عن أرضه وكرامته. وأضاف: «قد تُرهق الناس التضحيات، وقد تثقلهم الآلام، لكن الذين عرفوا ثمن الاحتلال يعرفون أيضاً أن الاستسلام ليس راحة، وأن التفريط بالحق لا يصنع أمناً، وأن البيئة التي أنجبت الشهداء لا يمكن أن تُهزم بحبرٍ مأجور أو دراسةٍ موجّهة أو خطابٍ يطلب منها أن تنسى دماء أبنائها».
وفي الشأن السياسي، رأى الفوعاني أن ما يُسمّى باتفاق الإطار لم يحقق حتى الآن ما كان يُنتظر منه، ولم يقدّم جواباً عملياً عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ولم يصنع ضمانة حقيقية تحمي لبنان من منطق القوة والعدوان، محذراً من تحويل الحقوق الوطنية إلى ملفات تفاوضية مفتوحة على التنازلات.
وأكد الفوعاني أن الرئيس نبيه بري يمثّل في الحياة الوطنية حارساً للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، لأن رهانه الدائم كان على الحوار في مواجهة القطيعة، وعلى الشراكة في مواجهة الإلغاء، وعلى حماية لبنان من الانزلاق إلى الفتنة، مشدداً على أن الرئيس بري كان وما زال حريصاً على لبنان بكل أبنائه، وعلى أمن شعبه ووحدته وكرامته، وأنه ينظر إلى الوطن باعتباره مسؤولية لا مجال للمقامرة بها.
وأضاف أن كلمة الرئيس المرتقبة يوم الاثنين المقبل، في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام القائد السيد موسى الصدر ورفيقيه، لن تكون مجرد خطاب في مناسبة، بل يُنتظر أن تشكل خريطة طريق وطنية للمرحلة المقبلة، في ظل ما يحيط بلبنان من أخطار واستحقاقات، وأن تحمل رؤية واضحة لحماية لبنان وشعبه ووحدته، وللتعامل مع العدوان الإسرائيلي والتحديات السياسية والوطنية، انطلاقاً من الثوابت التي حملها الإمام الصدر وحفظها الرئيس بري: لبنان الواحد، والشراكة الوطنية، والسلم الأهلي، ورفض الاحتلال، وحماية السيادة والكرامة الوطنية.
وأكد الفوعاني أن الحفاظ على السلم الأهلي ليس موقفاً حيادياً في زمن الانقسام، بل هو معركة وطنية تتطلب حكمةً وشجاعةً وإرادةً سياسية، وأن حماية لبنان لا تكون بتفكيك عناصر قوته ولا بإشعال الفتن بين أبنائه، بل بتعزيز وحدته، وتحصين مجتمعه، والتمسك بحقوقه، وعدم السماح لأي مشروع داخلي أو خارجي بتحويل تنوعه إلى أداة صراع.
وختم الفوعاني بالقول إن لبنان أمام امتحان واضح: إما أن يبقى وطناً يجمع أبناءه، وإما أن تبتلعه العصبيات؛ إما أن يتمسك بحقه في أرضه وكرامته، وإما أن يُطلب منه التعايش مع العدوان؛ إما أن يحمي وحدته، وإما أن يفتح أبوابه للفتنة.
وقال إن الأمانة الحقيقية ليست أن نكرر أسماء الكبار، بل أن نكون على مستوى القيم التي حملوها: إنسانٌ لا يُهان، ووطنٌ لا يُقسَّم، وشعبٌ لا يُترك وحيداً في مواجهة الخطر، وأرضٌ لا تُترك للمحتل، وكرامةٌ لا تُستعاد إلا بالإرادة والصمود والمقاومة.

