ماذا تريد ادارة ترامب من سياسة التعديلات الجمركية
بقلم أ. هشام صفا
ماذا تريد ادارة ترامب من سياسة التعديلات الجمركية ؟
تتزايد التحليلات والقراءات بعد اعلان ترامب مطلع هذا الشهر عن سياسة اقتصادية جديدة طالت الرسوم الجمركية بتحديد 10 % وبحد أقصى فاق 60 % على الواردات الأمريكية ، الأمر الذي لاقى معارضة عالمية وتوجهات من أقطاب اقتصادية كبيرة للرد بالمثل ، ما أثار مخاوف من اندلاع حرب تجارية قد تتطور مفاعليها لتطل الأمن العالمي وتؤسس لحرب عالمية الثالثة.
أثارت أدارة الرئيس ترامب موجة كبيرة من الاستنكار والاستغراب العالمي ، وخضّة في اسواق المال والبورصة العالمية، فضلاً عن المؤشرات التي يبدو انها لن تعكس ارتياحاً واطمئناناً في القادم من الأيام ، وقد تؤكد على حالة عدم اليقين التي سيتراجع معها الاقتصاد العالمي ويتدهور معها النمو لدى بعض الاقتصادات الضعيفة أو تلك المعتمدة بالحد الأقصى على اتزان السوق العالمي ، أعني تلك المطمئنة إلى احترام الأطراف لمبادئ التجارة العالمية واعتماد الجميع في نموهم على العولمة الاقتصادية.اسئلة عديدة تطرح في هذا المجال وبصيغ مختلفة ، إلا أن أشملها وأبسطها هو السؤال التالي ، ماذا تريد ادارة واشنطن من تلك التعديلا ت الجمركية ! وما طبيعية النوايا المبيّتة خلف ذلك السلوك غير المبرر ؟يحاول ترامب عبد إطلالاته المتكررة إزالة حالة الاستغراب عن طبيعة سياساته التجارية ، ذلك من خلال اضفاء شيءٍ من الشعبوية على شعارته وفي تصريحاته التي لا تلغي حالة الالتباس لدى المختصين والمهتمين بالشأن الاقتصادي ، ولدى القراء الجيدين الذين ينظرون الى سلامة التجارة العالمية من زاوية الأمن الاقتصادي وما من شأنه ان يلبي احتياجات السوق العالمي و الاسواق المحلية ، والذي يبقي على حالة اليقين في اعلى مستوى ومنسوب ممكن.
يدرك المختصون أن التجارة هي الوجه العملي للحقيقة العلمية التي نسميها “اقتصاد” وأن الرحلات التجارية هي الوجة الفعلي لها ، وبالتالي فإن الضرب على وتر الرسوم الجمركية هو استهداف غير مباشر للاقتصاد كما لو كان الاستهداف يطال امن الملاحة التجارية ، والذي يُعدّ ذا تأثير مباشر يهدد الاقتصاد والمنظومة الاقتصادية العالمية.من الواضح تماماً أنا ادارة ترامب لا تريد أن ينعكس تهديدها الاقتصادي ابعد من التأثير على منظومة الاقتصاد العالمي ، وبحدود معينة لا يسمح القفز فوقها ، وتلك الحدود هي التي يجب رصدها من تصريحات وافعال تلك الإدارة الغربية الأطوار، وهي التي يجب القراءة والتحليل فيها لإدراك نوايا الإدارة الامريكية من تلك الخطوة الحساسة وذات المفاعيل الدقيقة والخطيرة.
إن حدود التأثير على منظومة الاقتصاد العالمي التي لا ترغب ادارة واشنطن تجاوزها ، بل تريد حصر تأثيرها في مجالات معنية ، والتي يمكن ان تؤكدها القراءات والتحليلات المستقبلية ، لا يمكن أن تخرج عن نسق العولمة الاقتصادية التي خدمت وما زالت تخدم الاقتصاد الامريكي الذي ما زال مهميناً على سوق التكنولوجيا والاتصالات والبرمجيات والمال العالمي وفي العديد من المجالات الأخرى ، فليس من المنطقي ان تراهن تلك الإدارة على مكتسبات وموقع الولايات المتحدة العالمي هذا مقابل تغيير أو تعديل جوهري يطال نظام العولمة الاقتصادية ومبادئ التجارة العالمية التي أرستها في السنوات العشر الأخيرة نظرياً وعملياً تلك الإدارة ذاتها.
إذن، إن أكدت القراءات والتحليلات المستقبلية لتلك الخطوة الأمريكية ما ذهبنا إليه ، فهذا لن يزيد الأمر إلا غرابة والمسألة إلا غموضا , فكيف لتلك السياسة الجمركية ، وبغض النظر عن إمكانية أن تثير حرباً او أن تؤدي لاحقاً لتوتر أمني عالمي سينعكس لا محالة على الاقتصاد العالمي وقد يأتي على ما بنته الولايات المتحدة لأكثر من سبعة عقود خلت ، فكيف لتلك السياسة إذا ما خالفتها الولايات المتحدة ان تبقى قائمة على رأس السوق المفتوحة حتى انهاء سياسة الحمائية والوصول بالعولمة الاقتصادية إلى أقصى غاياتها ؟!!
.ربما هناك اجابة واحدة مقنعة عن ذلك السؤال وعلى ما يمكن أن يُثير حوله من تساؤلات كثيرة عن غايات الولايات المتحد من إحداث ذلك التغير الذي من شأنه ان يطال نظام العولمة الاقتصاد ويهدد أول ما يهدد المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة نفسها.
ان الاجابة التى نجدها مقنعة للغاية والتي لا تتنافى لا مع الثقافة الأمريكية ولا مع التاريخ والاستكبار الامريكي ، هي أن المطلوب من فترة العهد الترامبي هو إحداث تغيير على مستويين عالميين أساسيين تمهيداً للمواجهة المباشرة مع الصين هما مستوى الاقتصاد والتجارة العالمية ومستوى الجغرافيا السياسية وخريطة التحالفات العالمية.
يبدو أن قرار خوض المواجهة في المدى البعيد مع الصين هو الذي يسيطر على سياسات الولايات المتحدة في بداية الفترة الترامبية ، ويبدو من غير المستبعد أن ما تقوم به إدارة ترامب الآن من اعمال ورسم سياسات مخالفة للمنهج الأمريكي التقليدي هو ليس خروجاً عن التقليد ، بل هو ممارسة اكثر وضوحاً وشفافية عمّا اخفاه النفاق الامريكي والاستعمار المقنع لعقود طويلة خلت. من المرجح إن لم نقل أنه من الواضح ، أن ما يقوم به الشيطان الأكبر اليوم ، يرتبط بشكل مباشر بسياسة الهندسة التي ستطال الوضعيّة العالمية والمرتبطة بالظروف المثالية للمواجهة المرتقبة مع الصين ، خصوصاً لجهة الجغرافيا السياسية والعولمة الاقتصادية.
ان تحسين ظروف الواقع بما يتيح للادارة الاميركية خوض مواجهة مع الصين تكون بشروطها هو الأمر الأكثر ترجيحاً ، ففي البعد الاقتصادي ، تكمن الفكرة الأمريكية في أن تستثني نفسها من قواعد السوق العالمي مع استمرار الحفاظ عليه وعلى مبادئه وقواعد العمل القائمة على حرية الاقتصاد والرسوم المحددة وسوى ذلك من القواعد.
بإمكان الولايات المتحدة التي فعّلت سياسة العقوبات على الحليف قبل المخالف ، والتي انقلبت على مواثيق الشرعية الدولية والاعراف السائدة ببساطه لكونها لا تتوافق مع المصلحة الامريكية ، بإمكانها ان تؤسس لاقتصاد استثنائي لا يتأثر بتداعيات أي حرب قد تشنها امريكا في المستقبل على الصين أو غيرها.
ان من يراقب نهايات المشاريع السياسية والاقتصادية للسياسة الخارجية والداخلية الأمريكية ، سينتهي به المطاف الى حبكة مشتركة لكل تلك المشاريع ، والتى ليس آخرها – على سبيل المثال – السيطرة على المعادن الاوكرانية.
إن ما تقوم به ادارة ترامب هي سياسة عامة خارجية وداخلية الهدف منها هندسة البيئة المستقبلية التي تكون فيها امريكا في مأمن من تداعيات الحرب مع الصين على اقتصادها ، وفي تصوّر تلك الادارة ان تقوم بتنشيط السوق المحلي والصناعة المحلية وتأمين ما يلزم لها من المواد الأولية والمنافسة في السوق خارج إطار السوق العالمي ، أي بما يليق بالامبراطورية التي لا يسري عليها ما يسري على غيرها من اعتبارات و احكام.
