من واشنطن إلى الضاحية…

من واشنطن إلى الضاحية… حين قالت لي: السيد ليس من زماننا غنى شريف لم أكن أعرف أن مصادفة صغيرة في غرفة الإعلاميين داخل القصر الجمهوري ستعيدني إلى السيد، وتكشف لي أن حضوره وصل إلى أماكن لم أكن أتوقعها.كنت يومها في القصر الجمهوري، خلال اجتماع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع النواب في إطار المشاورات النيابية لتسمية رئيس للحكومة.وفي قاعة الإعلاميين، لفتتني سيدة ترتدي معطفاً أزرق، بشعر أشقر وعينين زرقاوين. بدا واضحاً أنها تزور القصر للمرة الأولى، ولا تعرف أين تجلس. دعوتها إلى غرفة الإعلاميين، وهي غرفة صغيرة لا تتسع إلا لنحو عشرة أو اثني عشر شخصاً، وطلبت لها فنجاناً من القهوة.عرّفت عن نفسها بأنها صحافية أميركية من صحيفة «واشنطن بوست». قدّمت لها نفسي، وقلت لها إنني من الضاحية الجنوبية لبيروت.تغيّر الحديث فوراً.بدأت تسألني عن الضاحية، عن أهلها، عن البيوت التي تضررت، وعن الناس الذين فقدوا أرواحهم. سألتني كيف دبرنا أمورنا بعد كل ما حصل.أخبرتها أن الحزب عوّض المتضررين، وأنني شخصياً حصلت على تعويض عن الأضرار التي لحقت بمنزلي.لكنني قلت لها:«كل هيدا ما إلو قيمة قدّام خسارة السيد».نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت:«السيد ليس من زمننا… هو من زمن الأنبياء والصالحين».كانت المفاجأة بالنسبة إليّ أن هذه الكلمات جاءت من صحافية أميركية، من واشنطن، لا من شخص ينتمي إلى بيئتنا أو إلى جمهور السيد.تابعت حديثها، فقالت إن هذه الشخصية «ملائكية»، وإنه لا يمكن أن يكون إنساناً عادياً، وإننا خسرنا قيمة لن تتعوض.قالت إنه كان مؤثراً، وإن صوته وحضوره كانا يتركان أثراً في كل من يسمعه أو يشاهده عندما يتحدث، وإنها كانت تنبهر بهما.قلت لها بدهشة:«أنتِ أميركية… ومن واشنطن… وعم تحكي عنه بهالطريقة؟»فأجابت:«السياسة شيء، والموضوعية في وصف الحقائق شيء آخر».ثم قالت لي:«هذا الله بعته هدية إلكن… وخسرتوه».بقيت هذه العبارة في ذاكرتي.فالبيت يمكن أن يُعاد بناؤه، والضرر المادي يمكن أن يُعوّض، لكن خسارة الإنسان لا تدخل في حسابات التعويض.وهنا أدركت معنى مختلفاً للحضور.نحن الذين عشنا قرب السيد واعتدنا صوته وإطلالاته وكلماته، ربما أصبح حضوره بالنسبة إلينا جزءاً من المألوف. لكن أن يأتي شخص من بلد بعيد، ومن ثقافة مختلفة، ويتحدث عنه بهذه الطريقة، فهذا يجعلك تنظر إلى ما اعتدته بعين جديدة.كانت امرأة من واشنطن تحدثني عن رجل من الضاحية.وهذه، بحد ذاتها، كانت المفارقة.لم تكن تعرف أنني سأحمل كلماتها معي بعد انتهاء اللقاء، وأن جملة واحدة منها ستبقى تتردد في ذاكرتي:«هو من زمن الأنبياء والصالحين… وليس من زماننا».ربما لهذا لم أشعر يومها أنني كنت أعرّفها إلى السيد.على العكس.كنت أنا التي أستمع إليها وهي تخبرني، من واشنطن، عن أثر رجل عرفناه نحن من الضاحية.وفي تلك الغرفة الصغيرة داخل القصر الجمهوري، أدركت أن بعض الحضور لا تحدّه الجغرافيا.قد يرحل صاحبه… لكن صوته يبقى، ويعبر البحار.