حين لا ينفع الندم…*

بقلم الشيخ حسن زيات
*حين لا ينفع الندم…**هناك أشياء في الحياة إذا فات وقتها ، لا يعيدها اعتذار ، ولا يصلحها مال ، ولا تمحو أثرها كثرة الكلام…**ومن أشدّها قسوةً أن يكتشف الإنسان متأخرًا أنه قصّر مع والديه ، وأن اليد التي كان يستطيع أن يقبّلها بالأمس ، صار يبحث عنها اليوم فلا يجدها.**كم من أبٍ كان ينتظر من ابنه دقائق قليلة ، لا مالًا ولا هدية…**وكم من أمٍّ كانت تفرح بسؤال بسيط : كيف حالكِ؟**لكننا كنا مشغولين… نؤجل الزيارة ، ونؤجل الاتصال ، ونقول : غدًا أفعل ، الأسبوع القادم أذهب ، عندما أرتاح سأجلس معهما…**ثم يأتي يومٌ لا يوجد فيه غد.**قال الله تعالى :**﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.**تأملوا دقة القرآن…**لم يقل : لا تضربهما ( والعياذ بالله ) ، ولا تهجرهما، ولا تؤذهما…**بل قال : ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾.**حتى ذلك الضيق الصغير الذي يظهر في نبرة الصوت ، حتى كلمةٍ عابرة قد تجرح قلبًا أعطاك عمره كله.**ثم يقول سبحانه :**﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.**وما أوجع الإنسان حين يكبر ، ثم يتذكر أنه كان طفلًا يحمل والداه ضعفه على أكتافهما…**كانا يسهران إذا مرض ، ويخافان إذا تأخر ، ويفرحان لفرحه أكثر مما يفرح هو…**ثم كبر الطفل ، وقويت قدماه ، واستقل بحياته ، وربما صار يرى والديه عبئًا على وقته!**ثم يدور الزمان دورته العجيبة…**فيضع الإنسان في مكان أبيه وأمه ، فيفهم متأخرًا أشياء لم يفهمها يومًا.**بعض الناس اليوم يبكون لأنهم قصّروا ، فيحاولون أن يعوّضوا ما فات :**يزورون قبور آبائهم ، يوزعون الصدقات عنهم ، يقرؤون القرآن لأرواحهم ، ويدعون لهم في جوف الليل…**وكل ذلك جميل ، لكن القلب يعرف الحقيقة المؤلمة :**هناك برٌّ كان يمكن أن يُفعل وهم أحياء ، لا يُشبهه شيء بعد رحيلهم.**لذلك ، إن كان أبواك ما زالا على قيد الحياة ، فلا تنتظر مناسبة…**اذهب إليهما بلا سبب.**اجلس بقربهما بلا موعد.**قبّل أيديهما.**اسمع حديثهما ولو سمعته مئة مرة.**لا تجعل الهاتف والعمل والناس يأخذون منك الوقت الذي كانا يتمنيان أن تمنحه لهما.**وإن كان أحدهما قد رحل… فلا تيأس من البر.**اذكره بخير، وصل رحمه ، وأكرم أصدقاءه ، وتصدّق عنه ، وأكثر من الدعاء له.**وقل من قلبك :**اللهم إنني قصّرت حين كان يستطيع أن يسمع اعتذاري ، فاجعل برّي به بعد موته شاهدًا على ندمي ، واغفر لي ما فرّطت ، وارحمه رحمةً أوسع من تقصيري ، واجمعني به في دارٍ لا فراق فيها.**فبعض الندم لا ينبغي أن يتحول إلى يأس…**بل إلى توبةٍ وعمل.**وإن كان والداك أمام عينيك الآن ، فهذه ليست مجرد خاطرة تقرؤها…**إنها فرصة.**قم الآن… اتصل بهما.**قل لهما كلمة طيبة.**فربما تكون هذه الدقائق التي تراها عادية اليوم ، هي أجمل ما تتمنى لو عاد بك العمر يومًا.