أخبار محلية

كلمة دولة الرئيس نبيه بري في تكريم الراحل الحاج أكرم طليس ممثلا برئيس الهيئة التنفيذية لحركة أمل الدكتور مصطفى الفوعاني

كلمة دولة الرئيس نبيه بري في تكريم الراحل الحاج أكرم طليس ممثلا برئيس الهيئة التنفيذية لحركة أمل الدكتور مصطفى الفوعاني
بعلبك:١١/٩/٢٠٢٦(قاعة تموز

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبي الرحمة والإنسانية، وعلى آله وصحبه الأطهار المنتجبين، وعلى الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين.
أصحاب المعالي والسعادة،
الفعاليات الثقافية والاجتماعية والتربوية والسياسية،
عائلة الراحل العزيز،
القيمون على هذا التكريم،
أيها الحفل الكريم،
أيها الحضور العزيز،
يشرفني في مستهل هذه المناسبة أن أنقل إليكم باسم دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري تحياته وسلامه، وأن أحيي حضوركم الكريم في هذه المناسبة التي أراد لها القيمون عليها أن تكون وفاءً لرجلٍ لم ينته حضوره بانتهاء حياته، ولإنسانٍ ترك في ذاكرة أهله وأصدقائه ومجتمعه أثراً يستحق أن يُصان.
وقبل أن أسترسل في الحديث عن الراحل العزيز، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى القيمين على هذا التكريم، الذين أرادوا للوفاء أن يكون فعلاً لا قولاً، وللذكرى أن تكون مسؤولية لا مناسبة عابرة، فجمعوا اليوم الأهل والأصدقاء والفعاليات وكل من عرف الراحل أكرم طليس، ليؤكدوا أن بعض الرجال حين يرحلون لا يتركون وراءهم فراغاً، بل يتركون مساحةً أوسع للحضور.
الشكر لكل من بادر إلى هذه المبادرة، ولكل من ساهم في إعدادها وتنظيمها وإنجاحها، ولكل من حضر اليوم وفاءً للراحل وإكراماً لذكراه.
فالتكريم الحقيقي ليس أن نستعيد اسماً من الماضي، بل أن نحفظ ما تركه هذا الاسم في الحاضر.
وليس أن نقول إن أكرم طليس كان بيننا، بل أن نسأل: ماذا ترك فينا؟
أيها الحضور الكريم،
ثمة موتٌ يطوي صفحة الإنسان، وثمة موتٌ آخر يفتح للإنسان صفحةً في ذاكرة الآخرين.
وثمة غيابٌ يشبه النهاية، وغيابٌ آخر يشبه الحضور حين يبلغ أقصى درجاته.
بعض الناس يرحلون، فيغلق الزمن وراءهم باباً.
وبعضهم يرحلون، فيكتشف الزمن أنه لم يكن قادراً على إغلاق شيء.
يبقى منهم صوتٌ في مكان، وملامح في وجه، وذكرى في قلب، وموقفٌ لا يزال يواصل الكلام بعد أن يصمت صاحبه.
وهكذا يكون الرحيل أحياناً انتقالاً للجسد، لا انطفاءً للحضور.
وأكرم طليس، الذي نجتمع اليوم لتكريمه، لا نستعيده من الغياب بقدر ما نستعيد من خلاله معنى الوفاء.
فالرجل الذي يُكرَّم بعد رحيله لا تُمنح حياته قيمةً بالتكريم؛ بل يكون التكريم اعترافاً بقيمةٍ كانت في حياته، وبأثرٍ تركه في الناس، وبسيرةٍ تستحق أن تبقى حاضرة.
ولهذا لا نريد لهذه المناسبة أن تكون مجلساً لاستعادة الحزن، بل مساحةً لاستعادة المعنى.
لا نريد أن نقول فقط: كان أكرم طليس بيننا.
بل نريد أن نقول: ما الذي بقي من أكرم طليس فينا؟
ماذا بقي من حضوره؟
من علاقاته؟
من إنسانيته؟
من محبته؟
من أثره في الناس والمجتمع؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل التكريم أكثر من مناسبة.
وتجعل الوفاء أكثر من كلمة.
وتجعل الذاكرة مسؤولية.
أيها الحضور العزيز،
ومن هنا، يأخذ استحضار الإمام السيد موسى الصدر في هذه المناسبة معنىً يتجاوز الذكرى إلى الفكرة.
فالإمام الصدر كان واحداً من أولئك الرجال الذين لم يسمحوا للإنسان أن يكون هامشاً في مشروع الوطن.
كان الإنسان عنده بداية الوطن وهدفه.
وكانت العدالة شرطاً لاستقراره.
والوحدة شرطاً لبقائه.
والدولة إطاراً لحماية أبنائه.
والمقاومة فعلاً في مواجهة الاحتلال والعدوان.
والسلم الأهلي حصانةً تمنع لبنان من أن يتحول إلى ضحية لعدوه أو ضحية لانقسامه الداخلي.
الإمام الصدر ليس صورةً على جدار.
إنه سؤالٌ مفتوح.
كلما رأينا فقيراً سألنا عن العدالة.
كلما رأينا لبنانياً يخاف من لبناني سألنا عن الوحدة.
كلما رأينا أرضاً محتلة سألنا عن المقاومة.
كلما رأينا دولةً ضعيفة سألنا عن المؤسسات.
وكلما رأينا الجنوب ينزف سألنا: أين لبنان؟
غُيّب الإمام الصدر، لكن فكرته لم تُغيّب.
غاب الجسد، وبقيت الفكرة تمشي بين الناس.
كأنهم حاولوا أن يضعوا حداً لرجل، فإذا بالفكرة التي حملها تتحول إلى أجيال.
حاولوا أن يغلقوا باب الغياب، فإذا بالغياب نفسه يتحول إلى بابٍ واسع للحضور.
أيها الحضور الكريم،
لقد أدرك الإمام الصدر مبكراً أن لبنان لا يستطيع أن يعيش إذا تحولت طوائفه إلى جزر، ولا يستطيع أن يقاوم إذا كان داخله هشاً، ولا يستطيع أن يبني دولةً عادلة إذا بقي الحرمان جرحاً مفتوحاً في جسد المجتمع.
ولذلك قال:
«لا عاصم للبنان اليوم وإلى الأبد غير وحدته».
وقال أيضاً:
«العدالة الاجتماعية والحرية المسؤولة والاحترام المتبادل عناصر ثلاثة ضرورية لخلق الوحدة الوطنية».
هذه الكلمات ليست محفوظات من زمن مضى.
إنها مفاتيح لقراءة لبنان اليوم.
فالحرمان إذا طال يتحول إلى إحساس بالظلم.
والظلم إذا تراكم يتحول إلى غضب.
والغضب إذا غابت الدولة عن إدارته يمكن أن يتحول إلى انقسام.
ولهذا كانت العدالة الاجتماعية عند الإمام الصدر جزءاً من حماية السلم الأهلي، وليست ملفاً منفصلاً عنه.
كان يعرف أن الوطن لا يستطيع أن يطلب من المواطن أن يحبه إذا كان يشعر أنه محروم من خيراته.
وأن الدولة لا تستطيع أن تطلب الثقة إذا كانت العدالة غائبة.
وأن المواطنة لا تستقيم إذا شعر جزء من اللبنانيين أنهم مواطنون عند الحاجة، ومهمشون عند توزيع الحقوق.
ومن هنا، فإن الدولة التي أرادها الإمام الصدر كانت دولة المواطن؛ دولةً تحترم التنوع، وتصون الحريات، وتحقق المشاركة والعدالة الاجتماعية، وتجعل كرامة الإنسان أساساً في بنائها.
أيها الحضور العزيز،
ومن هنا أيضاً نفهم المعنى العميق لعبارته:
«السلم الأهلي أفضل وجوه الحرب ضد إسرائيل».
فالسلم الأهلي ليس هدنة بين اللبنانيين.
إنه جزء من حماية لبنان.
فالعدو لا يحتاج دائماً إلى أن يعبر الحدود كي يضرب الوطن.
أحياناً يحاول أن يعبر من الشقوق التي نصنعها نحن في جدارنا الوطني.
أن يجعل اللبناني يخاف من اللبناني.
أن يجعل الطائفة تخاف من الطائفة.
أن يحوّل الاختلاف السياسي إلى خصومة وطنية.
أن يجعل الجنوب في جهة ولبنان في جهة أخرى.
ولهذا فإن الوحدة الوطنية ليست ترفاً.
إنها مناعة لبنان.
وإن الحفاظ على السلم الأهلي ليس ابتعاداً عن المقاومة، بل هو في جوهر فكر الإمام الصدر أحد وجوه حماية الوطن في مواجهة المشروع الإسرائيلي.
أيها الحضور الكريم،
ومن الإمام الصدر، لا يمكن أن نصل إلى حركة أمل إلا عبر الطريق الذي رسمه هو بيده.
طريق الإنسان الذي يتحول من الحرمان إلى وعي.
ومن الوعي إلى تنظيم.
ومن التنظيم إلى مقاومة.
ومن المقاومة إلى مشروع وطن.
فحركة أمل لم تولد في لحظة سياسية عابرة، ولم تكن وليدة ظرفٍ طارئ.
لقد خرجت من رحم قضية المحرومين، ومن وعي الإمام الصدر بأن الحرمان ليس قدراً، وأن الإنسان الذي حُرم من حقوقه لا يجوز أن يبقى خارج الدولة، وأن الجنوب الذي تُرك في مواجهة الاحتلال لا يجوز أن يبقى وحيداً.
ومن ساحة القسم في بعلبك بدأت لحظة مفصلية في ذاكرة الحركة.
هناك، في تلك الساحة، لم يكن القسم مجرد كلمات.
كان إعلاناً بأن الحرمان لم يعد قدراً.
وأن البقاع ليس هامشاً.
وأن الجنوب ليس هامشاً.
وأن الإنسان المحروم ليس رقماً في حسابات الدولة.
وأن لبنان الذي أراده الإمام الصدر يجب أن يكون لبنان لجميع أبنائه.
تحول الحرمان من حالة إلى حركة.
وتحولت الصرخة إلى تنظيم.
وتحولت الأمانة إلى مسيرة.
ومن هنا كانت أمل.
أفواج المقاومة اللبنانية.
اسمٌ اختصر منذ بدايته العلاقة بين الأمل والمقاومة، بين الإنسان والأرض، بين رفع الحرمان والدفاع عن الوطن.
ثم جاءت عين البنية.
هناك، لم تعد الفكرة وحدها تتحدث.
كان التاريخ يكتب بدم الشهداء.
وكانت الحركة تدخل طوراً جديداً، من القسم إلى الفعل، ومن الكلمة إلى الميدان، ومن الاستعداد إلى المقاومة.
وفي الخامس من تموز، وفي ذكرى شهداء عين البنية، تستعيد حركة أمل محطة تأسيسية في مسارها المقاوم، حين أدى انفجار المعسكر التدريبي إلى استشهاد عدد كبير من شباب الحركة، وتحولت الحادثة إلى محطة ارتبطت بإعلان انطلاقة أفواج المقاومة اللبنانية – أمل.
ومن عين البنية، بدأت صفحة جديدة.
صفحة صار فيها الجنوب مدرسةً للمقاومة.
وصارت الشهادة موقفاً.
وصارت الأرض أمانة.
وصارت الطلقة الأولى في مواجهة العدو إعلاناً بأن الجنوب ليس أرضاً سائبة، وأن لبنان ليس وطناً بلا دفاع.
من ساحة القسم إلى عين البنية.
ومن عين البنية إلى الطلقة الأولى.
ومن الطلقة الأولى إلى الشهداء.
ومن الشهداء إلى المقاومة.
ومن المقاومة إلى حماية الأرض.
هذه ليست محطات منفصلة.
إنها سلسلة واحدة.
إنها قصة أمل.
إنها قصة حركة خرجت من رحم الحرمان لتقول إن الإنسان يستحق الكرامة، ثم حملت السلاح لتقول إن الأرض تستحق الحرية.
ولهذا لم تكن حركة أمل في أصلها حركة سياسية فقط.
كانت مشروع إنسان.
ومشروع وطن.
ومشروع مقاومة.
ولم تفصل يوماً بين مواجهة الاحتلال ومواجهة الحرمان.
فالذي يرفض أن تُحتل أرضه، هو نفسه الذي يرفض أن يُحتقر إنسانه.
والذي يدافع عن الحدود، هو نفسه الذي يدافع عن كرامة المواطن.
والذي يقاوم العدوان، هو نفسه الذي يقاوم الفتنة.
والذي يحمل البندقية في مواجهة المحتل، يحمل في الوقت نفسه مشروع الدولة العادلة التي تحمي الجميع.
وهذه هي خصوصية مدرسة الإمام الصدر.
لقد أراد المقاومة في خدمة الإنسان.
والدولة في خدمة الإنسان.
والسياسة في خدمة الإنسان.
والوطن في خدمة كرامة الإنسان.
ومن هنا بقيت حركة أمل متمسكةً بثلاثة عناوين لا ترى بينها تناقضاً:
الإنسان، والوطن، والمقاومة.
فالإنسان بلا وطن آمن وعادل يبقى مهدداً.
والوطن بلا إنسان مصان الكرامة يتحول إلى حدود بلا روح.
والوطن والإنسان بلا قدرة على حماية الأرض والسيادة يبقيان عرضةً للعدوان.
أيها الحضور العزيز،
إننا حين نستعيد تاريخ حركة أمل من ساحة القسم في بعلبك إلى عين البنية، ومن الطلقة الأولى إلى محطات المقاومة والشهادة، لا نستعيد الماضي من أجل الماضي.
نستعيده لأن الحاضر ما زال يضع أمامنا الأسئلة نفسها.
هل يبقى الجنوب في قلب لبنان؟
هل تبقى الدولة مسؤولة عن جميع أبنائها؟
هل يبقى الإنسان أولاً؟
هل تبقى الوحدة الوطنية أقوى من كل محاولات التفتيت؟
وهل يبقى لبنان قادراً على حماية أرضه وسيادته؟
هذه ليست أسئلة تاريخية.
إنها أسئلة الحاضر.
ولهذا فإن أمانة الإمام الصدر لم تنتهِ.
وأمانة الشهداء لم تنتهِ.
وأمانة حركة أمل لم تنتهِ.
وأمانة الجنوب لم تنتهِ.
وهنا تتجدد مسؤولية دولة الرئيس نبيه بري، الذي حمل هذه الأمانة في السياسة والموقف والحوار والمقاومة، وحافظ على حضور قضية الجنوب في صلب المعادلة الوطنية.
أيها الحضور الكريم،
إن الرئيس نبيه بري لم يتعامل مع الوحدة الوطنية بوصفها شعاراً موسمياً، بل باعتبارها شرطاً لحماية لبنان.
ولم يتعامل مع الحوار بوصفه ترفاً سياسياً، بل باعتباره الطريق إلى منع الانقسام من التحول إلى اقتتال.
ولم يتعامل مع الجنوب بوصفه قضية منطقة، بل بوصفه جزءاً من السيادة الوطنية.
ولم يفصل المقاومة عن حق لبنان في الدفاع عن أرضه، كما لم يفصلها عن ضرورة حماية الداخل اللبناني من الفتنة.
ومن هنا تتكامل الرؤية:
دولةٌ قوية وعادلة.
جيشٌ وطني يحمي.
مقاومةٌ تواجه الاحتلال والعدوان.
حوارٌ يحفظ الداخل.
عدالةٌ ترفع الحرمان.
ووحدةٌ وطنية تمنع العدو من تحويل خلافاتنا إلى ثغرات في جدار الوطن.
وهذه ليست عناوين متعارضة.
إنها منظومة واحدة اسمها: حماية لبنان.
أيها الحضور العزيز،
وإذا كان تكريم أكرم طليس يعيد الإنسان إلى مركز الكلام، فإن الجنوب اليوم يعيد إلى لبنان كله السؤال عن معنى الإنسان.
ما يجري في الجنوب ليس مجرد أخبار عسكرية.
إنه اعتداء على بيت.
وعلى قرية.
وعلى عائلة.
وعلى طفل.
وعلى مستشفى.
وعلى ذاكرة مكان.
من ميفدون والرمادية وميدون، إلى عربصاليم والنبطية وكفرمان، وإلى مختلف القرى والبلدات الجنوبية، يتكرر مشهد العدوان: منازل تُدمّر، مدنيون يُستهدفون، مؤسسات تُضرب، ومستشفيات لا تسلم من النار.
وكفرمان ليست مجرد اسم في دفتر الحرب.
إنها جرح جنوبي مفتوح.
وصورة مكثفة لمحاولة جعل الإنسان نفسه هدفاً.
وحين يُستهدف مستشفى غندور في النبطية الفوقا، فإن الاعتداء لا يطال حجراً، بل يطال المكان الذي يفترض أن يكون ملاذاً للحياة.
ومن هنا، فإن موقفنا واضح.
لا يمكن أن يتحول الجنوب إلى ساحة مستباحة.
ولا يمكن أن يصبح الدم اللبناني مادة في الحسابات السياسية الإسرائيلية.
ولا يمكن أن يتحول لبنان إلى ورقة في سباق الآخرين.
وقد عبّر دولة الرئيس نبيه بري عن خطورة هذا المسار حين تحدث عن تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى «صندوق اقتراع بالدم» في سياق الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.
إنها عبارة تختصر مأساة سياسية كاملة:
أن يتحول دم اللبنانيين إلى مادة في صراع سياسي داخل دولة الاحتلال.
أن تصبح قرانا وبيوتنا وأهلنا أرقاماً في حسابات انتخابية.
أن يصبح قتل المدنيين وسيلة لإنتاج صورة القوة.
وهذا ما نرفضه رفضاً قاطعاً.
المطلوب من المجتمع الدولي ليس المزيد من بيانات القلق.
المطلوب وقف العدوان.
وحماية المدنيين.
وإلزام المعتدي باحترام الاتفاقات والقرارات الدولية.
ومنع الإفلات من العقاب.
لكن مسؤوليتنا نحن اللبنانيين لا تقل أهمية.
علينا ألا نسمح للعدو بأن يحقق في الداخل ما لم يستطع تحقيقه بالنار.
لن نعطي إسرائيل ما عجزت عن أخذه بالقصف: انقسام لبنان على نفسه.
أيها الحضور الكريم،
الجنوب ليس قضية طائفة.
وليس قضية منطقة.
وليس قضية فريق سياسي.
الجنوب قضية لبنان.
الأرض لا تحمل بطاقة مذهبية.
والسيادة لا تتجزأ.
والدم حين يسيل لا يسأل الشهيد عن هوية من يقف إلى جانبه.
ولهذا نقول بوضوح:
الدفاع عن الجنوب دفاع عن لبنان.
وحماية الجنوب مسؤولية وطنية جامعة.
وإبقاء الجنوب في قلب الدولة والوطن مسؤولية كل اللبنانيين.
وهنا تتجدد أمانة الإمام الصدر.
ويتجدد معها نهج الرئيس نبيه بري.
وتتجدد معها أمانة حركة أمل.
أن نبقى موحدين.
أن نحمي الدولة.
أن نحفظ السلم الأهلي.
أن نتمسك بالحوار.
أن نرفض الفتنة.
وأن نتمسك بحق لبنان في الدفاع عن أرضه وسيادته وكرامة أبنائه.
أيها الحضور العزيز،
ولا يمكن أن نتحدث عن السلم الأهلي من دون أن نتحدث عن العدالة الاجتماعية.
فالفقر ليس مجرد رقم اقتصادي.
والحرمان ليس مجرد ملف إداري.
والبطالة ليست مجرد مشكلة اجتماعية.
كل محروم يشعر أن الوطن لا يراه، وكل منطقة تشعر أنها خارج الإنماء، وكل شاب يفقد الأمل بمستقبله، هو جرح في جسد الوطن.
ولهذا فإن الإنماء المتوازن، وإصلاح المؤسسات، وحماية أموال الناس، ومواجهة الفساد، ودعم القطاعات المنتجة، ليست مجرد سياسات اقتصادية.
إنها سياسات لحماية لبنان نفسه.
لقد أراد الإمام الصدر دولةً تجعل الإنسان يشعر أن له مكاناً فيها.
دولةً لا تسأل المواطن من أي طائفة هو قبل أن تعطيه حقه.
دولةً يكون فيها العدل أساساً للاستقرار.
ودولةً يشعر فيها الفقير أن كرامته مصانة، وأن الوطن ليس امتيازاً للأقوياء.
أيها الحضور الكريم،
وفي قلب كل ذلك، يعود بنا هذا اللقاء إلى أكرم طليس.
إلى الرجل الذي اجتمعنا اليوم من أجله.
إلى الاسم الذي جعلنا نستعيد معنى الوفاء.
فما أجمل أن يتحول الراحل، في وجدان الناس، من شخص غاب إلى قيمة بقيت.
وما أجمل أن يكون التكريم مناسبةً لا لنحصي ما فقدناه، بل لنستعيد ما أعطاه.
إن أكرم طليس الذي نكرمه اليوم لا ينبغي أن يبقى مجرد ذكرى.
ينبغي أن يبقى ما مثّله من إنسانية ووفاء ومحبة وعلاقات طيبة حاضراً في سلوك من عرفوه.
فالأشخاص يمضون.
لكن ما يزرعونه في الناس يبقى.
والجسد يغيب.
لكن الأثر يمكن أن يصبح أكثر حضوراً من صاحبه.
ولهذا فإن أجمل وفاء لأكرم طليس أن نحفظ في حياتنا شيئاً من المعاني التي جعلت من سيرته جديرة بهذا التكريم.
أيها الحضور العزيز،
ربما لهذا السبب لا نستطيع أن نفصل تكريم الإنسان عن تكريم الوطن.
فالإنسان الذي نحتفي به يحتاج إلى وطن يحفظ كرامته.
والذكرى التي نصونها تحتاج إلى مجتمع يحفظ قيمها.
والوفاء الذي نجتمع من أجله يحتاج إلى دولة لا تترك الإنسان وحيداً أمام الخوف والحرمان.
وهنا يصبح فكر الإمام الصدر حاضراً من جديد.
فهو لم يترك لنا صورة نعلّقها على جدار.
ترك لنا مرآة.
والمرايا لا تجامل.
كلما رأينا فقيراً سألنا عن العدالة.
كلما رأينا لبنانياً يخاف من لبناني سألنا عن الوحدة.
كلما رأينا أرضاً محتلة سألنا عن المقاومة.
كلما رأينا دولةً ضعيفة سألنا عن المؤسسات.
كلما رأينا الجنوب ينزف سألنا: أين لبنان؟
واليوم، ونحن نكرّم أكرم طليس، نسأل أيضاً:
ماذا نترك نحن بعدنا؟
هل نترك وطناً أكثر وحدة؟
هل نترك دولةً أكثر عدالة؟
هل نترك مجتمعاً أكثر إنسانية؟
هل نترك جنوباً أكثر أمناً؟
هل نترك لأبنائنا وطناً يستحق أن يحبوه؟
هذه هي الأسئلة التي تجعل التكريم أمانة.
وهذه هي الأسئلة التي تجعل الذكرى مسؤولية.
أيها الحضور الكريم،
إننا لا نملك ترف اليأس.
ولا نملك ترف الانقسام.
ولا نملك أن نترك لبنان رهينةً للفراغ أو الفتنة أو حسابات الآخرين.
نحن أمام مسؤولية أن نبقى معاً.
أن يبقى لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه.
أن تبقى الدولة بيتاً للجميع.
أن يبقى الحوار جسراً لا متراساً.
أن يبقى السلم الأهلي ثقافة لا هدنة.
أن تبقى العدالة الاجتماعية أساساً للاستقرار.
أن يبقى الجنوب في قلب لبنان.
وأن تبقى المقاومة عنواناً لحماية الأرض والكرامة في مواجهة الاحتلال.
هذه هي المعادلة التي نؤمن بها في حركة أمل، والتي يحملها دولة الرئيس نبيه بري:
لبنان الواحد،
الدولة القادرة،
الحوار الوطني،
العدالة الاجتماعية،
والتمسك بحق لبنان في الدفاع عن أرضه وسيادته.
أما أكرم طليس، الذي جمعنا اليوم على اسمه، فسيبقى في وجداننا ما بقيت القيم التي عاشها ومارسها بين الناس.
سيبقى في ذاكرة أهله ومحبيه.
وسيظل هذا التكريم شاهداً على أن الوفاء ليس أن نتذكر الراحل في يوم، ثم ننساه في بقية الأيام.
الوفاء أن نحمل من سيرته ما يجعلنا أفضل.
أن نجعل من غيابه حضوراً.
ومن ذكراه مسؤولية.
ومن اسمه جسراً إلى ما هو أبقى.
فأكرم طليس لم يجمعنا اليوم كي نبكي الغياب.
جمعنا كي نكتشف أن بعض الغياب يفتح في القلب مكاناً لا يملؤه إلا الوفاء.
جمعنا كي نقول إن الإنسان الذي يترك في الناس محبة، لا يستطيع الموت أن يمحو اسمه.
وجمعنا كي يبقى التكريم عهداً بأن الذاكرة لا تخون من أحببناهم.
رحمة الله على أكرم طليس.
رحمة الله على الشهداء.
الشفاء العاجل للجرحى.
والحرية والعودة للإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه.
والسلام للجنوب.
والأمان للبنان.
والكرامة لكل أبنائه.
وليبقَ لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، سيداً، حراً، مستقلاً، موحداً.
وليبقَ الجنوب قلباً من قلبه.
ولتَبقَ أمانة الإمام الصدر حاضرةً فينا:
وحدةً وعدالةً،
مقاومةً وكرامةً،
ودولةً تحفظ الإنسان وتصون الوطن.
ولتَبقَ حركة أمل وفيةً لقسمها الأول، ثابتةً على نهج إمامها، حاضرةً في الدفاع عن الإنسان والوطن، وفي مقاومة الاحتلال، وفي صون الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.
ولتَبقَ ذكرى أكرم طليس شاهدةً على أن الإنسان قد يغيب، لكن أثره لا يغيب حين يكون قد ترك في الناس شيئاً من الخير، وفي الوطن شيئاً من الوفاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خديجة البزال رئيسة تحرير موقع بوابة بعلبك التابع للمنبر الحواري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى