بين التحليل السياسي والدعاية الإعلامية.

عادةً، المحلل السياسي يحاول أن يفسّر ما يحدث، ويقرأ الوقائع والمعطيات ليصل إلى استنتاج منطقي. أما أن يبدأ المحلل بإملاء ما يجب على الأطراف أن تفعله، أو يقرر مسبقًا ماذا ستضرب إيران وماذا لن تضرب، فهذا لم يعد تحليلًا سياسيًا بقدر ما أصبح نوعًا من الإعلام الموجّه أو المأجور.
على سبيل المثال، نسمع كثيرًا من يقول: لماذا لا تضرب إيران إسرائيل؟
وهنا السؤال نفسه يحتاج إلى مراجعة. من نحن حتى نحدد لإيران ماذا تضرب وماذا لا تضرب؟ هناك قيادة سياسية وعسكرية تملك معلومات ومعطيات لا يملكها المحلل أو المراقب، وهي التي تحدد طبيعة الأهداف والتوقيت والوسائل.
أما أنا، كمراقب، فأرى أن هناك معادلات إقليمية ودولية فُرضت على أرض الواقع، ومن ضمنها معادلة مرتبطة بلبنان: عدم الذهاب إلى حرب مفتوحة في لبنان والضاحية والجنوب، مقابل عدم توسّع المواجهة باتجاه إسرائيل. قد نختلف حول هذه القراءة، لكن لا يمكن تجاهلها عند تحليل المشهد.
وفي المقابل، يخرج البعض ليقول إن إيران تضرب العرب، بينما إيران لا تضرب إسرائيل. وهذا توصيف سطحي للمشهد؛ لأن إيران عندما تتحرك عسكريًا في المنطقة قد تستهدف مصالح وقواعد أمريكية موجودة في دول عربية، وليس بالضرورة أن يكون الهدف هو استهداف الدولة العربية نفسها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كانت بعض الدول العربية تريد فعلًا حماية المنطقة من الحرب والتصعيد، فلماذا سمحت بوجود هذا العدد الكبير من القواعد والقوات الأمريكية على أراضيها؟
المسألة في النهاية ليست شعارات ولا تمنيات. الحرب لا تتوقف لأن طرفًا قرر ذلك، ولا تستمر لأن محللًا تلفزيونيًا توقع استمرارها. هناك معادلات دولية وإقليمية، وتوازنات عسكرية وسياسية، تفرض نفسها على الأرض.
ومن هنا، فإن توقف أو انخفاض مستوى الحرب في لبنان لا يمكن اختزاله بجملة أو موقف إعلامي. هناك معادلات أكبر من ذلك بكثير، وقد يكون من بينها عدم الذهاب إلى حرب مفتوحة في لبنان والضاحية مقابل عدم توسّع المواجهة المباشرة مع إسرائيل.
لذلك، كفانا تحليلًا قائمًا على «قالوا» و«يُقال» و«كان يجب أن تضرب إيران هنا أو هناك»، من دون تقديم دليل عسكري أو قراءة استراتيجية حقيقية.
المحلل الحقيقي لا يحدد للأطراف ما يجب أن تفعله؛ بل يحاول أن يفهم لماذا فعلت ما فعلته.