رسالة إلى الضمير الغائب متى تفيقون؟
بقلم الكاتبة اليمنية/عفاف فيصل صالح
؟

بقلم الكاتبة اليمنية/عفاف فيصل صالح
أيها الذين أغمضوا أعينهم عن وجع اليمن، وأداروا ظهورهم لذاكرة وطنٍ أثقلته الجراح، إلى الذين يحاولون أن يختصروا أعوام الألم في سطرٍ عابر، وكأن دماء الأبرياء مجرد أرقام، وكأن أنين الأمهات وصمت القبور أحداث يمكن تجاوزها بالنسيان؛ نقول لكم: متى تفيقون؟
متى تدركون أن ذاكرة الشعوب ليست ورقة تُطوى، وأن جراح الأوطان ليست حكايات قديمة تُروى ثم تُنسى؟ فهناك آلامٌ لا يغطيها الزمن، ودموعٌ لا تجف بمجرد مرور السنوات، وحقوقٌ تبقى حاضرة في وجدان أصحابها ما دام في القلب نبض، وفي الروح كرامة.
اليمن لم يعيش أزمة عابرة، ولم تكن معاناته مشهدًا مؤقتًا في نشرات الأخبار، بل كانت سنواتٍ من الألم والصبر والصمود؛ سنوات حمل فيها الأب وجع أسرته، وحملت الأم دمعة فقدها، وحمل الطفل أحلامًا أثقلتها قسوة الواقع.
يا من تتحدثون بلغة التبرير، وتبحثون عن أعذار لمن تسببوا في معاناة شعبٍ بأكمله؛ اسألوا ضمائركم قبل أن تسألوا حساباتكم: هل تُمحى آثار الألم؟ هل يُنسى من فقد بيته أو أحبابه؟ هل يصبح وجع الإنسان تفصيلًا صغيرًا أمام المصالح السياسية؟
أخطر ما يصيب الأمم ليس فقط ما ينزل بها من أزمات، بل أن يظهر من بين أبنائها من يحاول تزييف الذاكرة، أو إقناع الناس بأن الظلم كان أمرًا عاديًا، وأن التضحيات يمكن تجاوزها بكلمات جوفاء.
فالوطنية ليست موقفًا يُتخذ عند الراحة، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي عهدٌ ومسؤولية ووقوفٌ مع الحق حين تشتد المحن. ومن ينسى آلام شعبه، أو يبرر لمن أوجعه، فإنه لا يخذل قضية فحسب، بل يخذل إنسانيةً يفترض أن يحملها في قلبه.
لقد أثبتت الشعوب عبر التاريخ أن القوة الحقيقية ليست في امتلاك أدوات البطش، بل في القدرة على الصمود، والتمسك بالحق، وحماية الكرامة مهما كانت التحديات.
بلادي اليمن الذي واجه العواصف لم يكن ينتظر من أحد أن يمنحه كرامته، فالكرامة لا تُستجدى، والحقوق لا تُوهب، بل تُصان بالإرادة والصبر والثبات.
إلى كل من راهن على النسيان نقول: إن ذاكرة الشعوب أقوى من محاولات الطمس، وإن صوت المظلوم قد يخفت حينًا لكنه لا يموت، وإن التاريخ يفتح صفحاته دائمًا ليسجل مواقف الرجال، ويفضح مواقف المتخاذلين.
فعودوا إلى ضمائركم قبل أن تحكم عليكم الأيام، وانظروا إلى الحقيقة بعيدًا عن ضجيج المصالح، فالوطن لا يُبنى بإنكار جراح أبنائه، ولا تُحمى الأوطان بتبرير آلام أهلها.
العدل ليس انتقامًا، والكرامة ليست جريمة، والدفاع عن الحقوق ليس خيانة. فالشعوب التي ذاقت مرارة الظلم تعرف جيدًا قيمة السلام، لكنها تعرف أيضًا أن السلام الحقيقي لا يُبنى على النسيان القسري، بل على العدالة والإنصاف واحترام الإنسان وانتزاع الحقوق بأكملها ممن اخذها غصبًا.
قال تعالى:
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾
فالظلم مهما امتد له ليل، لا بد أن ينكشف، والحق مهما طال طريقه، لا بد أن يجد من يحمله ويدافع عنه.
فالتاريخ لا يرحم من باعوا ضمائرهم، ولا ينسى من وقفوا مع المظلومين.