المقاومة الثقافية.
كيف ننجو من الحرب القادمة لتقرير مصير المنطقة؟
تتهيّأ منطقة الشرق الأوسط، لحربٍ تهدف الى تقرير مصيرها على مستوى الكيانات السياسية، والدول، والقضية الفلسطينية، وحركات المقاومة، والاقتصاد، والثروات، وحتى العقيدة الدينية المهددة بـ “الديانة الإبراهيمية”.،حيث تعيد أمريكا تجربة غزوها الأول في “عاصفة الصحراء” ضد العراق، وغزوها الثاني عام 2003 الذي أسّس لمرحلة الاحتلال الأمريكي للشرق الأوسط انطلاقاً من العراق ، وبأذرعه الإسرائيلية والتركية والجماعات التكفيرية وتمويل أنظمة الخليج العربي.
لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تقود أمريكا الحرب الشاملة في الشرق الأوسط، وتحكم بواسطة مندوبيها المباشرين، أو بالحكومات والحكام الذين تنصّبهم ، إما بالقوة وإما بالديمقراطية الوهمية ولم يتبقَّ أمامها إلا معركة أخيرة للقضاء على محور المقاومة -أو ما تبقى منه- بقيادة إيران والمقاومة اللبنانية المجاورة للعدو الإسرائيلي برياً، والتي تخوض حرباً منذ ثلاث سنوات، مع ظهور المقاومة اليمنية التي صمدت أمام الحرب الأمريكية-العربية عليها وتقدمت لتكون إحدى دول الطوق للعدو الإسرائيلي.
بعد المعركة الأخيرة التي شنّها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في شباط 2026، والتي فشلت في إسقاط النظام واحتلال إيران -رغم اغتيال المرشد الأعلى والقيادات الإيرانية والضربات الكبرى للبنية التحتية الخدماتية والنووية- لم توقف أمريكا وإسرائيل حربهما ضد إيران ولبنان؛ فاتبعتا استراتيجية “خداع المفاوضات” لإعادة تعديل الخطط وحشد القوى للمعركة الأخيرة التي يحضّرون لها التي سيكون توقيتها وفق المصلحة الأمريكية-الإسرائيلية كدول، ووفق مصلحتي (ترامب – نتنياهو) كأشخاص على مشارف الانتخابات التي تفصلنا عنها ثلاثة أشهر لتعيش المنطقة حرب استنزاف وضربات تتصاعد وتخبو على إيقاع استطلاعات الرأي للانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، بانتظار اللحظة المناسبة لبدء الحرب الشاملة على المقاومة اللبنانية وإيران. واليمن ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي والمنطقة، ستكون الحرب شاملة للجغرافيا العربية، وبمشاركة الجميع طوعاً أو كرهاً.
أما بالنسبة للبنان، فنعيش حالة استثنائية صعبة تتمايز عن حالة إيران واليمن وبقية الساحات، حيث لا زلنا نتعرض لحرب متوحشة منذ ثلاث سنوات وصلت إلى حد تحالف حكومتنا اللبنانية مع العدو ضد المقاومين الذين وصفتهم بالخارجين عن القانون، ووضعت المقاومة وطائفتها أمام مفترق طرق وجودي لم تغب أخطاره بعد بل تتزايد،لكن المشكلة تكمن في بقاء الطائفة بقياداتها ونخبها وعلماء دينها وكل مفرداتها الاجتماعية في دائرة التلقي والترقب والاستنكار الخافت والصامت، وسدّ جوع الأمن والاستقرار “بمصّاصة المفاوضات” التي لسنا شركاء فيها -سواء في إسلام آباد أو في واشنطن أو روما- مع حالة انفصام وإنكار للواقع الأسود الذي نعيشه، وإغماض عيوننا عن اتفاق العار واعتبارنا أنه غير موجود ولا يقدم ولا يؤخر، بينما يتقدم ميدانياً وسياسياً وقانونياً، ولا نزال ننكر وجوده ثم نراهن على نتائجه!
تعيد إسرائيل تكرار خديعتها وتحقق ميدانياً وتربح ما لم تستطع ربحه أثناء الحرب، وعلينا تصديق خدعة “المناطق التجريبية” وانسحابها من قرى غير موجودة، تماماً كما علينا تصديق أن “اتفاق الإطار” الخياني ليس موجوداً!
إلى متى سنبقى كأهل المريض الذين ينتظرون احتضار مريضهم وهم ينتظرون وصول الطبيب أو الدواء، أو لعدم قدرتهم على تكاليف المستشفى، أو بسبب انتظار بعض الورثة أن يموت لأخذ إرثه؟!
هل يجوز ألا تجتمع قيادات الطائفة ونُخبها والمسؤولون فيها ،لمناقشة وضع الطائفة المنكوبة المهدّدة وجودياً، والتي خسرت نصف جبل عامل بما يمثّله من هويتها الرمزية والدينية والجغرافية؟!
هل سنبقى منتظرين أن يُدمّر شمالي الزهراني كما سقط جنوبه؟!
هل سنترك العبء والمسؤولية على المقاومين الشرفاء الكربلائيين الأسطوريين الذين لم يقصّروا ولا زالوا في الميدان، ثم نهدر تضحياتهم بالتردد وغياب القرار السياسي الواضح وحجّة السلم الأهلي المبتور الذي لا نملك “ثقاب ناره” منفردين!
هل ستبقى الطائفة والمقاومة تنتظر “الترياق” من شريك العدو لقتل المقاومين ؟
هل ستبقى الطائفة تنتظر وصول “اتفاق العار” لمجلسي الوزراء والنواب لإسقاطه، مع علمها أنه لن يصل وفق ما هو مخطط له، وسيتم تنفيذه دون مناقشته في المؤسسات الدستورية، بل بتفاهمات الكواليس ؟
ألا يستوجب مصير الطائفة مؤتمراً عاماً ،لمناقشة كيف ننجو من هذه الحرب وإنقاذ ما تبقى وحفظ وجودنا مع ثباتنا على مبادئنا وديننا دون أن نستسلم… افترضوا انكم تخوضون انتخابات نيابية او بلدية؟
تعاني الطائفة من نقص المناعة السياسية والاقتصادية والأمنية، بغياب أي علاج لإنقاذها إلا “مَصْل” دماء الشهداء الذي يبقيها على قيد الحياة فبادروا قبل فوات الأوان… أفراداً وتنظيمات، فمسؤولية حفظ المقاومة والطائفة واجبٌ عينيٌ …ولنكن فداءً للدين وأهله…فإن خسرنا الدنيا…يمكن ان نربح الآخرة!
د.نسيب حطيط
