اشكالية المواجهة الاعلامية في إطار الحرب الهجينة بين الدفاع والهجوم
اشكالية المواجهة الاعلامية في إطار الحرب الهجينة بين الدفاع والهجوم.
كتب أ. هشام صفا
على إثر مشاهدتي للّقاء الذي تمّ بثه على قناة الاتحاد يوم الاربعاء بتاريخ ٥/٧ مع الإعلامي والسياسي الاستاذ رفيق نصر الله ، لفتني دعوته العلنية إلى انتهاج تكتيك هجومي بدلاً من الدفاعي في المواجهة الإعلامية مع وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي التابعة للسفارات الاجنبية.
وإبداء للرأي في هذا المجال، وبسبب حساسية الموقف ولزوم اثارة المسألة في هذا الوقت الذي تلعب فيه المواجهة الإعلامية الدور الأبرز في صناعة الوعي من جهة وفي التأثير على المواقف من جهة أخرى ، وبسبب أن الجزء الأكبر من هذه المواجهة خارج اطار تنظيم حقل المعركة عامة والإعلامية على وجه الخصوص، رأيت أنه من واجبي ان أدلي بدلوي في هذا السياق مساهمة في الافكار التي تزكي المواجهة وتحاكي متغيرات المرحلة لاسيما مع التقدم التكنلوجي الذي ترك اثره على كافة مناحي المواجهة ، خصوصاً في هذا المنحى الفكري والنفسي.
في البداية ، علينا أن نلفت الى أمرين اثنين في غاية الأهمية :
الأمر الأول، هو أن الحرب الاعلامية لا يمكن قراتها بمعزل عن الحرب الهجينة او ما يعرف بالحرب المركبة، والأفضل في رأيي تسميتها بالمواجهةالاعلامية وذلك لاعتبارين :
الاعتبار الاول هو الذي ذكرناه آنفا ، أي انه لا ينبغى قراءة ودراسة وبحث وتقيم تلك الحرب بمعزل عن انها جزء لا ينفصل في أهدافه وغاياته كما في رؤتيه وتكتيكاته عن الحرب القائمة بمختلف فاعلياته النشطة.
وكمثال بسيط ، فلو ان غاية التعبية على خط المواجهة العسكرية كانت اجبار خصم ضعيف على التراجع فلا ينبغي للحشد الاعلامي ان يكون خارج ذلك السياق .
أما الاعتبار الثاني فهو أن الفاعلية الأساسية في أي حرب هي القتال (١) وإن ما عداه من فاعليات اخرى والتي أهمها الحرب النفسية ، ما هي إلا فواعل داعمة للقتال ومتماشية معه بحسب نشاطاته المنتظمة وإمكانيته ، أي انه لا ينبغي لكافة النشاطات أن لا تكون خاضعة لنفس تنظيم حقل المعركة والا فقدت تأثيرها وباءت عملياتها بالفشل وإن كان ظاهر أمرها انها ناجحة في التكتيك ، غير أنها قد تكون فاشلة ما لم يتحول ذلك التكتيك وتراكمه إلى نجاح استراتيجي ، وهذا ما من شأن تنظيم حقل المعركة أن يصيغه ويؤمنه.
الأمر الثاني، هو أن مفهوي التعرض والمدافعة (هما قطبي مفهوم التدافع عمليا) أو ما اصطلح عليه بالهجوم والدفاع ، هما مفهومان تكتيكيان وليسا استراتيجيين على الاطلاق ، وحتى لو استعملا في اطار الفكر الاستراتيجي فانهما يستخدمان للدلالة على تكتليك استراتيجى معين، وذلك من أجل التأكيد على طبيعة العمليات الاستراتيجية العسكرية أهي عمليات من طبيعة هجومية أم دفاعية.
وباختصار ، وحتى تكون الفكرة واضحة، فإن الاستراتيجية العسكرية الهجومية هي الفكر والموقف الذي يتبناه الطرف المبادر الى الحرب، والذي يضع وفقه لأجل حربه اهدافاً عليه تحقيقها ، أما الطرف الآخر، ولأسباب عقدية وموضوعية فإنه يلتزم فكراً وموقفاً متباين وهو الموقف الدفاعي، ويكون هدفه الاستراتيجي من تلك الحرب افشال هدف خصمه لا اكثر .
لكن ما تقدم من كلام إنما هو فقط كلام على مستوى الاستراتيجيا العسكرية وتكتيكاتها ، أي على مستوى عملياتها ومراحلها الموزعة على امتداد خطٍ زمانيّ نسبة للحرب، والتي يتم تقسيمها أكاديميًا إلى بدايات ومسار ونهايات، من لحظة جنوح الحرب الى ان تضع أوزارها.
اما الكلام على المستوى التكتيكي فهو الكلام الذي لا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الموقف الاستراتيجي، ولا ينبغي الخلط بينهما من الناحية العملانية كما يحصل باستمرار، فالدفاع والهجوم عند المستوى التكتي هو خاضع لمؤثري الزمان والمكان معاً، وهذا على خلاف المستوى الاستراتيجي الذي لا تقرأ نشاطاته الا نسبة لمؤثر الزمان، فقد نجد ان الجهة صاحبة الفكر والموقف الاستراتيجي الدفاعي تقوم بعمليات قتالية ونفسية وأمنية و مجازية ( إفتراضية) وغيرها ، هي بأغلبها عمليات هجومية، والعكس صحيح ، فالمدار هنا هو الحاجة إلى تطبيق عمليات في الزمان والمكان المناسبين، تكون غاية المهاجم منها اخضاع الخصم والمدافع انتظار الظروف المناسبة للقيام بالهجوم وبالتالي اخضاع الخصم ايضاً.في النهاية، وبما اننا نتكلم عن الحرب الهجينة، فعلينا ولكي نكون منصفين بحق تكليفنا ومسؤولياتنا ان نقرّ ونعترف بأن الحاجة الى انتظام العمليات والجهود في حقل معركة واحد تحت قيادة عمليات مشتركة أهم بكثير من خوض العمليات ذاتها والسير بها نحو النجاح، فاتحاد الجهود وانصبابها في هدف مشترك افضل بكثير من توزعها على أهداف عديدة هنا وهناك في زمان ومكان غير مقروءين جيداً بما يتناسب والتنظيم الصحيح لحقل المعركة.
من هنا تأتي النصيحة لأن يتم توجيه المواجهة الاعلامية وعدم القاء حبلها على غاربها، فهذه المواجة ومع الثورة الرقمية واستفحال خطر الذكاء الصناعي، قد باتت العامل الأفعل في العمليات النفسية التي طالما كانت تخضع ولشدة اهميتها في الحرب الى تحكم شديد من قبل القيادات الأمنية والسياسة على امتداد تاريخ الحروب .`
“(١) القتال هو الفاعلية الرئيسية في الحرب/ من كتاب “عن الحرب” لكارل فون كلاوزفيتز“`
