المقاومة الفلسطينية.
إنهاء المقاومة الفلسطينية المسلّحة… تثبيتٌ للاحتلال وتصفيةٌ للقضية!
بعد 60 عاماً على انطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني عام 1965 بسلاح حركة “فتح” ، وعلى مشارف الذكرى الثمانين لاغتصاب فلسطين من اليهود المستوطنين برعاية بريطانية وتخاذل عربي وإسلامي، أعلنت حركة “حماس” وبقية الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة موافقتها على تسليم السلاح لتأمين الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار غزة، وإنقاذ الفلسطينيين من التهجير خارج فلسطين ، لِتُقفل آخر نافذة أمل للفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية مهما كانت جغرافيتها، وليعود الفلسطينيون إلى ما كانوا عليه عند احتلال فلسطين عام 1948،لاجئين في وطنهم أو خارجه، وإلغاء حق العودة أو أي استقلال وحكم ذاتي مقابل السماح لهم بالبقاء على قيد الحياة.
أُرغم ما تبقى من المقاومين الفلسطينيين على إلقاء سلاحهم بعد صراع دام 80 عاماً وحرب إبادة في غزة قاتلوا فيها حتى الطلقة الأخيرة والحائط الأخير، ولم ينصرهم إلا بعض المقاومين “المسلمين الشيعة”، وخذلهم أغلب المسلمين العرب والمتعدّدي الجنسيات من” السنّة”، حتى وصفهم من نصروه في سوريا بأنهم جماعات إرهابية، ولم ينفعهم التلويح بعلم الثورة السورية التي أغلقت مكاتبهم ومخيماتهم ، وكذّبت تصريحات مسؤولي حماس الذين احتفلوا بسقوط نظام الأسد(الذي حضنهم) واعتبروا انتصار جبهة النصرة بشرى لتحرير القدس وفلسطين!
يومٌ حزين للفلسطينيين الشرفاء وللعرب والمسلمين الأحرار بإعلان إعدام المقاومة المسلحة الفلسطينية، لتبقى فلسطين وقضيتها رهينة القرارات الدولية ومفاوضات “التنازلات” التي كلما انعقدت جلسة منها التف حبل المشنقة على الفلسطينيين وقضيتهم ومن يتخذ القرارات الدولية جسراً لقيام دولة فلسطين وتحرير أرض و تحقيق العدالة، فإنه كالظمآن الذي ينتظر السراب في صحراء يحكمها التوحش الأمريكي- الإسرائيلي، ويكون ضحية “السلام بالقوة” الاسم الملطّف للاستسلام الذليل.
لم تسقط البندقئية الفلسطينية بقوة الإجرام الإسرائيلي فقط، بل سقطت عندما انقسم الفلسطينيون بين سلطة مستسلمة تنسق أمنياً مع العدو ضد حركات مقاومة تقاوم الاحتلال.
سقطت البندقيّة الفلسطينية عندما احتشد أغلب العرب والمسلمين وتحالفوا مع العدو الإسرائيلي ضد حركات المقاومة وحاصروها حتى برغيف الخبز وطردوها، فلم تجد ملجأً لمسؤول فيها، ومن أعطاها الملجأ قيدها بالمواقف والتنازلات حتى وقعت على تسليم سلاحها كمنفذ أخير لإنقاذ ما تبقى من أهالي غزة.
سقطت البندقيّة الفلسطينية عندما تم صناعة الإسلام التكفيري الذي أنهك الأمة وأسقط آخر نظام ممانع، وصارت “المارينز الأمريكي” ضد حركات المقاومة بمذاهبها السنية والشيعية، وصارت جماعات من المرتزقة المجوقلة تنقلها أمريكا من أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي إلى العراق وإيران وسوريا ولبنان وليبيا واليمن.
إن إنهاء المقاومة المسلحة الفلسطينية ضربة قاصمة للمشروع المقاوم العربي والإسلامي، وضربة قاتلة للمقاومة اللبنانية التي تخوض حرباً منذ ثلاث سنوات بعد إسنادها لغزة، والتي ستكون وحيدة في الميدان بعد استقالة المقاومة الفلسطينية من الميدان، حيث سينحصر التوحش العسكري الإسرائيلي بساحة لبنان، مستعيناً بالحكومة اللبنانية والنظام السوري الجديد وبعض العرب.
يعيش المشروع المقاوم العربي ،حالة مُدمجة من النكبة والنكسة والخيبة، حيث إن انهزامه أو تحييده وتجميده سيشرّع أبواب الأمة أمام “إسرائيل الكبرى” والشرق الأوسط الأمريكي الجديد، ولن تعود القدس ولا فلسطين، بل ستنضم دول أخرى إلى الحالة الفلسطينية المحتلة، وبدل أن يحرر العرب فلسطين أسقطوا دولهم وشعوبهم بيد الاحتلال الأمريكي- الإسرائيلي وتوسّع الاحتلال والاستعباد.
سيزيد الحصار وتتوسّع الحرب على المقاومة اللبنانية وإيران واليمن والحشد الشعبي في العراق، آخر حصون وقلاع الأمة المقاومة، وستنحصر المقاومة بالمسلمين الشيعة، الذين ستعمل أمريكا لتحريض المسلمين السنة عليهم لإشعال الفتنة “السنية -الشيعية” أحد أوراق الحرب ،للقضاء على المشروع المقاوم.
بعد إسقاط المقاومة المسلحة الفلسطينية وتوقيع الفصائل على تسليم سلاحها أو إيداعه بيد سلطة انتقالية تأتمر بالقرار الأمريكي والعربي المتآمر، بانتظار جيل جديد يتابع مسيرة المقاومة ، سيفرض على المقاومة اللبنانية من مرحلة “الإسناد” الى مرحلة “الدفاع عن الوجود”بعد سبعين عاما من احتضان ودعم المقاومة الفلسطينية منذ ثورة “الشيخ القسّام”!
دخلت المقاومة اللبنانية وأهلها مرحلة جديدة من الحرب بعد موافقة المقاومين الفلسطينيين على تسليم سلاحهم، مما يستوجب وضع استراتيجية جديدة للدفاع، ليس بدافع الخوف ان تلقى مصير المقاومة في غزة والاندفاع نحو تسليم السلاح والاستسلام ، بل للصمود والاستفادة من التجربة ودراسة عدم جدوى التنازلات ،والتمسك الواعي بالسلاح والقتال على أساس أنها وحدها ضد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي.
لم تنتهِ الحرب بعد… ولن تسقط بندقيتنا ولو سقطت كل بنادق الآخرين، ولن تأكل الحُرّة ببيع سلاحها…
لسنا نادمين لأننا كنا الشرفاء الصادقين…لكن علينا ان نتعلّم حتى لا نُلدغ مرة أخرى!
د.نسيب حطيط
