أخبار محلية

المفاوضات النووية بين واشنطن وتهران، قراءة على ضوء المتغيرات الدولية

المفاوضات النووية بين واشنطن وتهران، قراءة على ضوء المتغيرات الدولية

كتب أ. هشام صفا ——————————————————لا بد بداية من التسليم بوجود صعوبة في تحليل الموقف الأمريكي الاستراتيجي خصوصاً مع تغييب النوايا وانعدام التصريحات المرتبطة بالغايات القومية ، إن من قبل ادارة دونالد ترامب نفسها أو من قبل مجلس الأمن القومي والمجالس المرتبطة به .

وأيضاً مع عدم وضوح العلاقة الممكنه ما بين اهداف الحراك الترامبي على صعيد السياسة الخارجية للبيت الابيض، وما يمكن أن تحققه تلك الأهداف من غاياته اقتصادية وأمنية مستقبلية في السياسة الخارجية الأمريكية، كسياسة رفع التعرفة الجمركية الاخيرة.

يعتمد التحليل في مثل هذه الحالة على الفرضيات الأكثر ترجيحاً وعلى قراءة الحدث المحلي في سياق الأحداث الاقليمية، والاقليمي في سياق الأحداث الدولية ، أما في شأن الملف النووي الايراني فان الفرضية التي يرجح أن تشكل القاعدة الاساسية للثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية ، هي أن الإدارة تقوم بخلط الأوراق على مستوى اقلیمي و دولي شامل تمهيداً للمواجهة الكبرى مع الصين.

ان الاعتقاد بأن المرحلة الترامبية هي مرحلة اعادة تنظيم ميدان المواجهه العالمي اقتصاديا وسياسيا بالشكل الذي يسمح بمواجهة مضمونة النتائج مع الصين، هو اعتقاد نابع من اصرار الامريكي على مبدأ الأحادية القطبية وتصميمهم الواضح على تجاوز ثوابت الأمن العالمي ومخرجات الحربية العالمية الثانية ، وعدم جزعهم من تأزيم الاقتصاد العالمي بعد أن وجد طريقه باتجاه العولمة التي من أهم ثمارها الانسانية تعزيز لغة الحوار وايجاد القواسم المشتركة وبالتالي الابتعاد عن لغة العنف والنديّة في العلاقات الدولية ، ويضاف إلى ذلك هرولة السياسة الداخلية الأمريكية باتجاه الشعبوية التي لا تذكرنا سوى بهرولة الحزب النازي قبل سنوات من بدئه في غزو أوروبا.

ويترافق مع هذه الثوابت الفكرية ، ثوابت أخرى إنما منهجية يجيد قراءتها اليساريون الذين يضعون الفكر الليبرالي في خانة الامبريالية وحوكمة رأس المال وتغليب المصالح على المبادئ والشعارات ، ويقرؤون التوجهات السياسية في اطار من البراغماتية الموصوفة؛ وعلى ما يبدو فإن النهج السياسي والأخلاقي للغرب الاستعماري قد بدأ يخطو باتجاة توسعٍ عامودي بعدما فقد القدرة على التوسع الأفقي، وهذا ما يفسّر التدخلات المباشرة لأصحاب الثروات الضخمة ولرأس المال العالمي في صناعة السياسة الامريكية والغربية عموماً، وكذلك تراجع الفكر الليبرالي عن شعاراته القديمة عندما شعر بالتهديد يطال النيوليبرالية بخطوة كشفت ضعف هذا الطرح وعدم قدرته على الصمود. هذا على مستوى التوجه الذي يسيطر على الفكر الأمريكي ، أما من ناحية عملية، فيكفي ان نلاحظ بأن السياسة الأمريكية تتظاهر بالتخلي الأمني عن القارة الأوروبية بعدما جن جنون ترامب إبان ولاية الأولى وتحديداً سنه ٢٠١٩ يوم أعرب الأوروبيون عن رغبتهم بالتأسيس لأمن أوروبي مستقل عن حلف الناتو، فما الذي بدى للادارة الحالية حتى تدفع اليوم الاتحاد الاوروبي الى ذات الرغبة مستغلة ظروف التوتر مع روسيا سوى دفع الاتحاد الاوروبي عن خيراته الاستقلالية والتشبث بالتحالف مع الامريكيان لأطول مدة زمنية ممكنة ؟!!

أما في الشأن النووي الإيراني فالأمر يختلف ، فالطرف الامريكي لا يتعاطى مع الايرانيين كحلفاء محتملين او على الأقل كمحايدين فيما لو نشب صراع مستقبلي مع الصين ، لذا فمن الأجدى للادارة الامريكية حلحلة الملفات الخلافية والوصول بإقليم غرب اسيا الى حالة من الاستقرار والتوازن طويل الأمد لضمان عدم التدخل حال تطور الأوضاع بين امريكا والصين.

قد لا يتوافق مع هذا التحليل الكثيرون ، فالاعتقاد السائد هو أنه ليس في صالح الاستراتيجيا الدفاعية تقديم تنازلات او التراجع في مسرح من المسارح على اعتبار أن ذلك التراجع سينعكس سلباً على التقدم في مسارح أخرى، الا ان الصحيح أن الاستراتيجية الدفاعية بخلاف الاستراتيجية التقدمية (الهجومية) تقوم أساسًا على فكرة التراجع لصالح التقدم والاحتفاظ بالمكتسبات لاسيما في المجالين الامني والاقتصادي.

قد تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية اكثر من أي وقت مضى الى تأمين ممرات التجارة البحرية في منطقة غرب آسيا، والتي بسبب الجغرافيا السياسية والصمود في المواجهة قد سيطر عليها محور المقاومة ، وبسبب نتائج سنة ونصف في المواجهة المتواصلة ما بين المحور والصهيونية العالمية ، فيبدو أن الأمريكي المصمم على مواجهة الصيني ، قد ادرك انه لن يستطيع فرض ارادته وتوازناته بالقوة على شعوب منطقتنا فذهب نحو الدبلوماسية والتفاوض، وهو مستعد لتقديم كافة التنازلات لكن برواية وسيناريو أمريكي مضلل وظهور بأنه ما زال صاحب اليد العليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى