المقاومة الثقافية.
الإمام الصدر… فشلنا في تحريره، فلْنحفظْ مشروعه النهضوي!
ثمانٍ وأربعون عاماً مضت على اختطاف وأسر الإمام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين، دون أن يتمكن أنصاره ومؤيدوه من فك أسره وكشف أسباب الغدر به، وإن كان المسؤول الجنائي المباشر هو الرئيس الليبي معمر القذافي بشراكة أطراف لبنانية وفلسطينية وعربية وإسلامية تقاطعت مصالحها لتستهدف الإمام الصدر، كقائد إصلاحي ومؤسسٍ للمشروع النهضوي اللبناني على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي بطبقاته المتعددة، من الإسلام الشيعي إلى الإسلام الشامل، ثم اللبناني والعربي والإسلامي حتى الدولي، والذي تزامنت ولادته مع بدء المشروع الأمريكي- الإسرائيلي لإعادة رسم المشهد السياسي للمنطقة بدءاً بالحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 والاجتياح الإسرائيلي عام 1978، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ثم اتفاقيات السلام العربية المصرية والأردنية والفلسطينية، وبعدها احتلال لبنان 1982 وطرد المقاومة الفلسطينية. ولا زالت الحرب مستمرة منذ “طوفان الأقصى” والتي استطاعت تغيير المنطقة “جيو سياسياً” و”جيو طائفياً” و”جيو قومياً”.
لقد فشلنا في تحرير الإمام الصدر – تقصيراً أم عجزاً – وخسرته أسرته وعائلته الكبرى “الطائفة الشيعية” رائداً لمشروعها النهضوي الديني والسياسي والاجتماعي بعد قرون من الحرمان بسبب الظلم والعنصرية التي تعرض لها الشيعة من كل أنظمة الحكم والغزاة الذين حكموا لبنان. وإذا كنا قد فشلنا أو قصّرنا أو عجزنا عن تحريره جسدياً، وخفت ضوء الأمل بعودته حياً إلا إذا أكرمه الله بمعجزة أو لمصلحة الدين وأهله، فيبقى واجب أسرته ومؤيديه ألا يعلنوا استشهاده طالما لا يمتلكون أي دليل شرعي على ذلك، فيبقى في دائرة “الشهيد الحي” لحين انكشاف الأمر أو استحالة البقاء حياً بعد فترة من الزمن.
لكن المشكلة الأهم والتي لا تبرير لها مع عدم القبول باستمرارها، أننا جميعاً في دائرة اتهام تغييب المشروع النهضوي والمنهج الديني والسياسي والاجتماعي للإمام الصدر بشكل حقيقي وجوهري، بعيداً عن رفع الشعارات والخطب والمهرجانات، مع حاجتنا إلى نبع ماء فكره ونهجه السياسي في هذه الصحراء السياسية الفاسدة والعاجزة عن توفير البيئة الملائمة “لإخضرار” شجرة الإصلاح والوعي والثبات على العقيدة والسلوك الديني الذي بدأ يتجه نحو الطقوسية والعصبية” و” التكفير” دون تأثير جوهري في السلوك، مما ينذر بتصدّع الثوابت والمبادئ ويفجر المشروع النهضوي للإمام الصدر ومن عاونه أو ساهم بشكل رديف أو متحد معه في بناء مجتمع مقاوم ملتزم دينياً وأخلاقياً ومتّحدٍ مع بعضه كالجسد الواحد، كمرحلة أولى لبناء مشروع الوحـدة الوطنية والسلم الأهلي الذي يعتبره الإمام الصدر أفضل وجوه الحرب مع العدو الإسرائيلي وثروة وطنية كبرى، مستهدفاً توظيف هذا المشروع الوحدوي لبناء وحدة عربية وإسلامية لم يتأخر عن طرق أبوابها في قمة الرياض وجولاته العربية وزيارته الجيش المصري في سيناء ودعمه للمقاومة الفلسطينية، ورفضه الصدام مع سوريا أو عزل اليمين المسيحي رغم خطيئة هذا الطرف المسيحي الكبرى بإشعاله الحرب الأهلية اللبنانية التي لا زالت مستمرة حتى الآن بكل وجوهها القذرة وشعاراتها العنصرية ولو سكتت بنادقها مؤقتاً.
إن إحياء ذكرى الإمام الصدر والوفاء له يجب ألاّ يقتصر على يوم في سنة أو الاستعانة بقول من أقواله أو شعاراته عند الحاجة، بل يكون بإعادة إحياء مشروعه النهضوي الديني الذي يقول بوجوب أن يتصدر العالم الديني صفوف المقاومة للظالمين سواء كانوا محتلين أو حاكمين أصحاب سلطة، ووجوب محاربة الفاسدين سواء كانوا من ذوي القربى السياسيين أو من الخصوم على مستوى الدولة ودوائرها، فلا يمكن لفاسدٍ جمع ثروته من وظيفة وصل إليها باسم المحرومين والمستضعفين أن يتحدث عن الإمام الصدر الذي لا يملك عقاراً ولا رصيداً بنكياً ولا سيارة ولا أي شيء من حطام الدنيا، سواء هو أو عائلته، ليكون النموذج الرسالي الزاهد، وليكون فعله يطابق قوله حتى لا تكون هناك هوة أو خندق فاصل بين قوله وفعله، لينجو من الاتهام الإلهي والتقريع الإلهي: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، حيث ابتُلي مجتمعنا بصنف من هؤلاء… والذين يتكاثرون!
إن لم نستطع تحرير الإمام الصدر، فلْنحفظ مشروعه النهضوي، ليس من أجله – وهو الفائز بإذن الله سواء كان في سجنه أو عليائه – بل من أجل المحرومين والمستضعفين من كل الطوائف والقوميات، وفق مشروع الإمام الصدر لتحرير الإنسان، مصداقاً للبلاغ الإلهي(وما أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
الإمام الصدر ليس صورة ويافطة.. بل مشروع ديني وفكري وإصلاحي.
أعاد الله إلينا الإمام الصدر وأخويه… وأعادنا لمشروعه النهضوي.
د.نسيب حطيط
