توم باراك، نموذج تزاوج رأس المال السياسي والاقتصادي
✳️ توم باراك، نموذج تزاوج رأس المال السياسي والاقتصادي ✳️
مازن الغول
توم باراك، الملياردير ومؤسس شركة Colony Capital المعروفة اليوم باسم DigitalBridge، يُعد نموذجاً واضحاً لتزاوج رأس المال السياسي والاقتصادي. فقد كان مقرّبًا من رؤساء أميركيين متعاقبين، وتولّى رئاسة حفل تنصيب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عام 2017. إلا أنّ نفوذه لا يقتصر على المجال السياسي فحسب، بل يمتد إلى بنية تحتية رقمية هائلة تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، تشمل مراكز بيانات وأبراج اتصالات وشبكات ألياف بصرية. هذه الأصول ليست محايدة، بل تمثّل الركيزة الأساسية للحكومات والجيوش وأجهزة الاستخبارات.
من خلال DigitalBridge، استحوذ باراك على شركة Boingo Wireless، التي توفر خدمات الإنترنت في المطارات ونُظم “التعرّف على الوجه”، وهو ما يغذي أنظمة المراقبة البيومترية على الحدود والمعابر. هذه البنى التحتية التي تُستخدم في نيويورك ولندن، تُسهم في الوقت نفسه في تكريس منطق الاحتلال والسيطرة اليومي في فلسطين. كما أنّ استثمارات شركته تتقاطع مع شركات عالمية كبرى مثل Silver Lake وEQT، التي تدعم بدورها شركات إسرائيلية للأمن السيبراني تعمل بشكل مباشر وفق أولويات الدولة الصهيونية.
وليس بعيدًا عن ذلك، فإن رئاسة باراك لحفل تنصيب ترامب كانت ممولة بمساهمات ضخمة أبرزها خمسة ملايين دولار من الملياردير شيلدون أديلسون، أحد أبرز داعمي المشروع الصهيوني عالميًا، ما يكشف أنّ آلته السياسية كانت مدعومة مباشرة برأس المال الصهيوني. في المقابل، عانت شركته Colony Capital من عقوبات فرضتها هيئة الأوراق المالية الأميركية بسبب تضارب مصالح ورسوم غير مُعلنة، ما يبرز ثقافة من الاستغلال والربح دون مساءلة، وهي ثقافة تنسجم مع الذهنيّة التي تحكم الأنظمة التي تخدمها استثماراته.
إلى جانب ذلك، تنخرط أموال باراك في نفس المنظومة المالية العالمية التي تدعمها مصارف إسرائيلية مثل بنك ليئومي، المعروف بتمويله للمستوطنات والبنية التحتية للفصل العنصري، وهي ممارسات وصلت إلى حد استبعاد هذه المصارف من الصناديق السيادية الكبرى مثل صندوق النرويج السيادي البالغ 2 تريليون دولار.
بذلك، يتضح أنّ باراك ليس مجرّد رجل أعمال أو وسيط محايد، بل قناة حيّة لرأس المال الإمبراطوري تتشابك استثماراته مع البنى المالية والسياسية الصهيونية. فإمبراطوريته توفّر الأساسات المادية، من الخرسانة إلى الألياف البصرية، التي تُتيح لأنظمة السيطرة أن تفرض الطاعة وتُخضع المجتمعات. ومن هنا، فإن خطابه الذي وصف اللبنانيين بـ “البهيميين” ودعوته لهم إلى “التحضّر” ليس زلّة لسان، بل امتداد لخطاب استعماري طالما طالب الشعوب المستعمَرة بالخضوع والامتثال. إنّ الاستجابة لدعوته إلى نزع سلاح لبنان تعني فعليًا التنازل عن السيادة لصالح المنظومة التي تموّل وتُرسّخ آليات القمع والاحتلال.

