ما بين الهدنة المؤقتة ووقف اطلاق النار
بقلم الكاتب والمحلل هشام صفا
ما بين الهدنة المؤقتة ووقف اطلاق النار،
أين تكمن سياسة الحذلقة الاسرائيلية ؟.
لم يكن مستغرباً ما حصل من انقلاب على اتفاق وقف اطلاق النار الذي أبرمه الجانب اللبناني عبر وسطاء دوليين لفض الاشتباك الذي دار مع العدو الاسرائيلي لاكثر من سنة ، أما السبب الذي أبقى احتمال التراجع او الانقلاب على ذلك الاتفاق قائما وممكناً ف باختصار هو “غباء العدو الصهيوني”.
عندما فشلت سياسة الحرب على مدى أكثر من ٦٠ يوما من فرض معادلات أو تغيير واقع بفعل القوة العسكرية. كان من الأجدى للحكومة الاسرائيلية أن تبني موقفها فيما بعد المعركة على نتائج ذلك الاشتباك ، فإن كان ناجحاً مضت قدماً في السياسة ، وإن كان فاشلاً فعليها تقديم تنازلات.
إلا أن القرار الذي لم يكن مفاجئاً البتة ، وليس نظراً لغدر العدو الاسرائيلي إنما نظراً لغبائه القديم الجديد.
و هو السعي بخذلقة في تبديل مفاعيل الاتفاق من وقفٍ لاطلاق النار الى هدنة مؤقتة، وذلك من خلال الاصرار على ادراج عبارة في متن قراره هي”احتفاظ الطرفين بحق الدفاع من النفس”. قد يستغرب البعض – إن لم نقل الكثيرون – ذلك الصمت غير المعهود من قبل قيادة المقاومة الإسلامية في لبنان حيال الخروقات المتكررة لاتفاق وقف اطلاق النار الذي تم ابرامه بوجود وساطات من دول ضامنة وراعيه لتنفيذه وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية.
وقد يذهب البعض في تفسير هذا الصمت من زاوية عجز المقاومة على الرد بسبب ما تكبدت خلال حربها من خسائر في بنيتها القيادية والعسكرية لاسيما اللوجستية، مبررين ذهابهم في هذا الاتجاه الى عجزهم عن ايجاد تفسير آخر يعلل الحكمة الكامنة خلف ذلك الصمت .
لذلك دعونا نطرح سؤالاً حول جدوى ذلك الصمت وعدم الرد بالمثل على تلك الخروقات الاسرائيلية المتكررة.
هل أنه من الحكمة مقايضة ما تم التوصل إليه من صيغة اتفاق فرضها الجانب اللبناني بالقوة ، تقوم على وقف إطلاق النار والعودة الى حالة الاشتباك ما قبل ٨ اكتوبر ، بصيغة مغايرة تماماً شبيهة لصيغة “الهدنة المؤقتة” التي لا تعنى أكثر فى استراحة محارب أو انتظار الظروف المناسبة دولياً وإقليمياً لاستئناف الحرب ؟.
لنطرح السؤال بصيغة مختلفة ، هل ان المساومة على نتائج اشتباك مدته ٦٦ يوماً بالذهاب إلى اشتباك متوازن ( حرب ساخنة) اجدى ، ام أن البناء على نتائج الاشتباك وتطويرها نحو الخواتيم التي باتت قريبة هو أجدى ؟
في الحقيقة ، في علم الحرب والإستراتيجيا العسكرية التي من شأنها صناعة النصر ، فإن من يذهب ظنه الى ان النتائج التراكمية في التكتيك هي التي تخدم الاستراتيجيا العسكرية فهو واهم الى ابعد الحدود، ومن كان هذا هو مذهبه العسكري فلن يصنع لأمته اكثر مما صنع نابليون بونابرت الذي انتهي به المطاف إلى المنفى ، ولن ينتج عن اشتباكاته أكثر مما نتج عن الحرب العالمية الأولى التي انتهت الى حرب خنادق ، حيث لم يوفر فيها القادة السياسيون غايات واضحة للقادة العسكريين يمكن تسييلها إلى اهداف تكتيكية .
إن الجاهل بحقيقة علوم الاستراتيجيا العسكرية، أو صاحب عقيدة استراتيجية فاسدة في هذا المجال ، لن يكون بمقدوره على الاطلاق صناعة النصر لأمته مهما امتلك من اسباب القوة العسكرية المادية ، فالظفر في الحرب من وجهة نظر علم الاستراتيجا العسكرية وادارة الحروب في مراحل النزاعات المسلحة، يكمن في حسن استخدام الاشتباكات لاجل تحقيق هدف الحرب ، بغض النظر عن حجم الخسائر المقدمة، وبغض النظر كذلك عن عدد الاشتباكات الفاشلة، فلربما يخوض الطرف المنتصر تسعة اشتباكات فاشلة فى اصل عشرة ويربح الحرب.
في النهاية ، يدرك المقاومون في لبنان بأن الحرب لم تضع أوزارها بعد، لكنهم يدركون زيادة عن هذا ان مسعى العدو الاسرائيلي من خلال محاولات جرّ المقاومة إلى اشتباك ساخن (متوازن) هو تقويض لكل الانجازات الناجحة التي قادت العدو الاسرائيلي رغما عن أنفه للتوقيع على ورقة وقف اطلاق النار بذات الصيغة التي فرضها الجانب اللبناني دولة ومقاومة.
في القادم من الايام – إن شاء الله – سيتضح للقاصي والداني مدى الحكمة البالغة الكامنة خلف صمت المقاومة وممانعتها لمحاولات العدو جرها إلى حيث يريد !!.
