الردع والمصداقية: هل أصبحت إyران أمام استحقاق
✳️
د. فريد جبور- كاتب وباحث
مقدمة
في العلاقات الدولية لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من صواريخ وجيوش فقط، بل بقدرتها على تحويل التهديدات المعلنة إلى وقائع قابلة للتصديق. فالتاريخ يعلمنا أن الردع ليس مجرد امتلاك وسائل القوة، بل هو القدرة على إقناع الخصم بأن خطوطاً حمراء معينة سيؤدي تجاوزها إلى كلفة مرتفعة.
من هذا المنطلق تبرز اليوم إشكالية مركزية في الشرق الأوسط: إذا كانت إيران قد أعلنت مراراً أن استهداف لبنان أو تغيير قواعد الاشتباك فيه يشكل تهديداً مباشراً لمحور حلفائها، فإلى أي مدى تستطيع الاستمرار في الامتناع عن الرد المباشر إذا استمرت إسرائيل في توسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط فقط بالواقع العسكري الراهن، بل تتصل بمجموعة واسعة من النظريات الاستراتيجية والتجارب التاريخية وقواعد علم النفس السياسي والجغرافيا السياسية.
أولاً: الردع بين النظرية والتطبيق
يرى المفكر الاستراتيجي الأميركي توماس شيلينغ أن الردع الناجح يقوم على عنصرين متلازمين: القدرة والمصداقية.
فالقدرة تعني امتلاك وسائل الرد، أما المصداقية فتعني اقتناع الخصم بأن هذه الوسائل ستُستخدم عند الضرورة.
وعلى امتداد العقود الماضية عملت إيران على بناء ما يمكن تسميته “شبكة الردع الإقليمي”، وهي منظومة تعتمد على حلفاء وشركاء موزعين جغرافياً من العراق إلى لبنان واليمن وسوريا. وقد سمح هذا النموذج لطهران بتوسيع نفوذها الاستراتيجي من دون الانخراط المباشر في معظم الصراعات.
لكن المشكلة التي تواجه أي منظومة ردع تكمن في أن عدم الرد المتكرر على أفعال يعتبرها الخصم اختبارات للخطوط الحمراء يؤدي تدريجياً إلى تآكل المصداقية.
وهنا تظهر المعضلة الإيرانية الحالية: كيف يمكن المحافظة على صورة الردع دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة؟
ثانياً: دروس التاريخ
يكشف التاريخ أن الدول الكبرى كثيراً ما تؤخر ردودها العسكرية رغم امتلاكها القدرة على الرد.
فالاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة لم يكن يرد على كل خطوة أميركية، كما أن الولايات المتحدة نفسها لم تتدخل عسكرياً في كل أزمة واجهتها.
وقد أظهرت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 أن الهدف الحقيقي للقوى الكبرى ليس الانتصار العسكري الفوري، بل إدارة التصعيد ومنع الوصول إلى نقطة اللاعودة.
ومن منظور تاريخي، تبدو السياسة الإيرانية أقرب إلى هذا النموذج؛ فهي تميل إلى توظيف الزمن كأداة استراتيجية، وتفضّل غالباً الرد المؤجل أو غير المباشر على المواجهة الفورية.
إلا أن التاريخ نفسه يبين أن التأجيل الطويل قد يتحول أحياناً إلى عامل ضعف إذا فُسر من قبل الخصم باعتباره تردداً أو عجزاً.
ثالثاً: علم النفس السياسي وإدارة الصورة
في العلوم السياسية الحديثة لا تقل أهمية الصورة الذهنية عن أهمية القوة المادية.
فالدول، كما الأفراد، تتأثر بالسمعة وبكيفية إدراك الآخرين لها.
ومن هنا فإن أي دولة تبني خطاباً قائماً على الردع تواجه خطراً كبيراً عندما يصبح الفرق واسعاً بين الخطاب والفعل.
إسرائيل تدرك هذه الحقيقة وتسعى دائماً إلى اختبار حدود الرد المقابل، بينما تدرك إيران أن الحفاظ على هيبة الردع يشكل جزءاً من أمنها القومي.
لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بالضرر العسكري الناتج عن أي ضربة إسرائيلية، بل أيضاً بالأثر النفسي والسياسي المترتب على غياب الرد.
رابعاً: لبنان في قلب الجغرافيا الاستراتيجية
منذ نشوء دولة إسرائيل شكّل لبنان جزءاً من البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين المحتلة.
ومع تطور دور حزب الله منذ ثمانينيات القرن الماضي، أصبح لبنان يمثل بالنسبة لإيران إحدى أهم ساحات الردع المتقدم.
في أدبيات الجيوبوليتيك تُعرف هذه الظاهرة بمفهوم “الدفاع خارج الحدود”، أي نقل خطوط المواجهة بعيداً عن المركز الجغرافي للدولة.
وعليه فإن أي تغيير جذري في التوازنات اللبنانية لا يُنظر إليه في طهران باعتباره شأناً لبنانياً فحسب، بل باعتباره مسألة تمس البنية الأمنية الإقليمية بأكملها.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: استمرار الاحتواء
يقوم هذا السيناريو على بقاء العمليات العسكرية ضمن حدود معينة تسمح لجميع الأطراف بتجنب الحرب الشاملة.
وهو السيناريو الأكثر انسجاماً مع مصالح القوى الدولية والإقليمية في المرحلة الحالية.
السيناريو الثاني: رد إيراني محدود
قد تلجأ إيران إلى رد مباشر لكنه مضبوط ومحدود، يهدف إلى استعادة التوازن النفسي والاستراتيجي دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
ويُعد هذا السيناريو الأكثر انسجاماً مع السلوك الإيراني خلال السنوات الماضية.
السيناريو الثالث: التصعيد الإقليمي
يفترض هذا السيناريو أن تتجاوز إسرائيل ما تعتبره إيران خطوطاً حمراء جوهرية، كاستهداف بنى استراتيجية أو محاولة فرض وقائع جديدة بصورة دائمة في لبنان.
عندها قد يصبح الرد الواسع أقل كلفة من عدم الرد، وفق منطق الردع الاستراتيجي.
خاتمة
تكشف الأزمة الراهنة أن الصراع بين إيران وإسرائيل لم يعد مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل أصبح اختباراً معقداً لمفاهيم الردع والمصداقية وإدارة المخاطر.
فالقرار الإيراني لا تحدده الرغبة في الرد أو عدم الرد فقط، بل تحكمه معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين الحسابات العسكرية والاقتصادية والنفسية والدبلوماسية.
ومن منظور استراتيجي بحت، لا تبدو المسألة مرتبطة بما إذا كانت إيران قادرة على الرد، بل بما إذا كانت ترى أن لحظة الرد قد حانت فعلاً.
وفي الشرق الأوسط، كما يعلمنا التاريخ، لا تكون الأسئلة الحاسمة مرتبطة بالقدرة على استخدام القوة، بل بتحديد التوقيت الذي تصبح فيه كلفة الامتناع عن استخدامها أكبر من كلفة استخدامها نفسها.
