رجل من بلادي. ——————————————–
رجلٌ من طين الأرض، نشأ بين الفلاحة والزراعة فتعلّم الصبر، وبين الناس فاستقى الرحمة. آمن بأن العمل لا ينفصل عن الضمير، وأن التجارة ليست مجرد وسيلة للكسب، بل مسؤولية أخلاقية ودينية، وأن الرزق الحلال بركة، وخدمة الناس واجب.
إنه الحاج مصطفى البزّال، الذي جمع في تجربته بين العمل والتقوى، وبين التجارة والأمانة، وحاول أن يجعل من مبادئه الدينية والأخلاقية أساسًا في تعامله مع الناس.
كان الحاج مصطفى عضوًا في مبرّة الإمام الباقر (ع)، وقد اختاره العلّامة سماحة السيد محمد حسين فضل الله (قدّس الله سرّه ونوّر ضريحه)، إلى جانب الحاج علي يوسف (رحمه الله)، لتولّي مسؤولية هذا العمل.
ويستذكر الحاج مصطفى تلك المرحلة قائلًا:
« اختارني أنا والحاج علي يوسف غصن (رحمه الله) لنتولّى مسؤولية هذا العمل. فاستلمنا الأرض والمال، وتولّينا الإعمار، بفضل الله وبركة السيد محمد، وبحمد الله وتوفيقه نجحنا، والحمد لله رب العالمين».
لكن تجربة الحاج مصطفى لم تكن مرتبطة بالعمل الخيري وحده، بل امتدت إلى تجارته وعلاقته اليومية بالناس، حيث يرى أن الأمانة هي أساس البركة في الرزق.
وعندما سُئل عن سرّ البركة في رزقه، اختصر الإجابة بكلمتين: الأمانة في التجارة.
ويستعيد إحدى الفترات التي شهدت أزمة في مادة البنزين، حين ارتفعت الضغوط على التجار، قائلًا:
«حدثت في إحدى الفترات أزمة في مادة البنزين، ومع ذلك بقيت أبيع للناس بالسعر المعروف والمنخفض، ولم أرفع السعر، وكانت المادة متوفرة عندنا، بعكس ما كان يحصل عند بعض التجار».
لم يكن هذا الموقف بالنسبة إليه قرارًا تجاريًا فحسب، بل التزامًا دينيًا وأخلاقيًا.
ويقول:
«وسبب ذلك هو الواجب الديني. نحن نعطي الناس حقّها ونأخذ حقّنا. هذا واجب ديني، وليس مجرد عمل تجاري. لقد أمرنا الله بالسير على الحق والصراط المستقيم، فلا نأخذ من الناس ما ليس لنا به حق. كنا نعمل وفق تعاليم الإسلام».
وقد تعرّض لضغوط من بعض التجار الذين حاولوا إقناعه برفع الأسعار بحجة نقص البنزين، لكنه رفض الاستجابة لتلك الضغوط.
ويقول:
«كانوا يقولون لي: يجب أن ترفع السعر قليلًا لعدم توفر البنزين. ولكننا رفضنا ذلك، وبقينا نبيع بضمير، ولم نغيّر شيئًا، والحمد لله».
وكانت الكميات التي يستقبلها كبيرة، إذ كانت تصل إلى ستين أو سبعين مترًا مكعبًا، فيما كان يعمل معه أربعة أو خمسة أشخاص؛ بعضهم يتولى الحسابات، وبعضهم يقوم بتعبئة البنزين للناس. وكان الهدف، كما يقول، هو تيسير أمورهم وخدمتهم.
هذه التجربة جعلت من العمل بالنسبة إلى الحاج مصطفى مساحة لاختبار المبادئ، لا مجرد مصدر للدخل. فالمعاملة الحسنة، والأمانة، وعدم استغلال حاجة الناس، كانت بالنسبة إليه جزءًا من الدين الذي يؤمن به.
ولذلك كان مبدأه في الحياة واضحًا: «الرزق الحلال بركة، وخدمة الناس عبادة».
فلم يبع دينه بعَرَضٍ من الدنيا، ولم يبدّل الحق بالباطل مهما اشتدت الأزمات والضغوط، وظلّ يرى أن الإنسان يُختبر في المواقف الصعبة، حين يصبح الالتزام بالمبدأ أكثر كلفة من التخلي عنه.
وعن أبرز الدروس التي تعلّمها في حياته، يقول الحاج مصطفى:
«من أهم الدروس التي تعلمتها في حياتي كان من خلال العمل والتعامل مع الناس. كنا نتداخل معهم، وكانت حالتنا بسيطة، ولكن العمل علّمني الكثير».
في تجربته، لم يكن النجاح يُقاس بما يملكه الإنسان فقط، بل بما يتركه في نفوس الناس من أثر. وربما لهذا بقيت عبارته البسيطة تختصر فلسفته في الحياة: الرزق الحلال بركة، والأمانة أساس التجارة، وخدمة الناس مسؤولية.
الحمد لله على التوفيق. تقرير وحوار خديجة البزال للتواصل مع الإدارة ٠٣٣١٤٧٤٨
